رأي

الشرع في نيويورك… مواقف متوازنة وثوابت سورية

عمر كوش – العربي الجديد:

زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع، الثانية، نيويورك، للمشاركة في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة، محطة سياسية مهمة في مسار تثبيت حضور بلاده على الساحة الدولية، وحملت رسائل متعددة الأبعاد تخص مواقف سورية وقضاياها، ومستقبلها السياسي والاقتصادي، وعلاقاتها الإقليمية والدولية.

دبلوماسياً، اكتسبت اللقاءات التي أجراها الرئيس الشرع أهمية خاصة، كونها تتماشى مع توجه سوري نحو توسيع شبكة العلاقات الدولية، وتعزيز الحوار مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية، حيث تمنح هذه اللقاءات فرصة لشرح الأولويات السورية مباشرة أمام قادة الدول والمسؤولين الدوليين، إضافة إلى أنها تساهم في جذب الدعم السياسي والاقتصادي لجهود التعافي، وإعادة الإعمار، والتنمية.

تتعدى أهمية الزيارة تأكيد المشاركة السورية في المحفل الأممي إلى المواقف التي أبداها الشرع، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي الجلسة الحوارية مع “المجلس الأطلسي”، التي أدارها المسؤول الأميركي السابق، بريت ماكغورك، الذي شغل لسنوات عديدة مهام تتصل بسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والعراق وسورية والحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وكانت مشاركة الشرع في هذه الجلسة فرصة لتوضيح رؤيته لمستقبل سورية، وتبيان أولويات حكومته في إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي والإصلاح المؤسسي، إضافة إلى تطور العلاقات السورية الأميركية، وتعزيز مؤسسات الدولة، ومواصلة إعادة اندماج سورية إقليمياً ودولياً.

لم يتردّد الشرع في الإجابة عن سؤال يتعلق بمخاوف الإسرائيليين بعد أحداث 7 أكتوبر (2023)، بالقول إنه يتفهم ما تعرّض له بعض الأبرياء، لكنه يرفض أن تكون تلك الأحداث أساساً لتحديد السياسة الإسرائيلية تجاه سورية، وقال “ليس من المناسب أن ترسم أحداث 7 أكتوبر سياسة إسرائيل تجاه سورية”، لأن هذا “غير منطقي ولا يؤدي إلا إلى مزيد من التهديدات الأمنية”. وذكّر ساسة إسرائيل بأن الأمن الإسرائيلي لا يتحقق إلا باحترام أمن الآخرين، وتغيير السياسات التي تخلق التوترات في المنطقة. وطالب بضرورة النظر إلى ما جرى في غزّة، حيث قتلت إسرائيل أكثر من 70 ألف فلسطيني، بينهم آلاف من النساء والأطفال، في حرب الإبادة التي تشنها ضد الشعب الفلسطيني.

لم ينس الشرع التأكيد على أن الجولان المحتل يبقى أرضاً سورية، وأن تبعيته ليست موضع تفاوض

أبدى الشرع مواقف سياسية واضحة في ملفاتٍ عديدة، وعرض رؤيته حيال المفاوضات مع إسرائيل، رافضاً وضع العربة أمام الحصان مثلما تريد إسرائيل، بمعنى أن التوصل إلى اتفاق أمني يجب أن يتحقق أولاً، ثم يأتي الحديث عن سلام دائم. فالأولوية بالنسبة إلى سورية انسحاب إسرائيل من الأراضي التي سيطرت عليها بعد سقوط النظام السابق، والعودة إلى المواقع التي كانت تشغلها عام 1974، قبل الانتقال إلى بحث ترتيبات أمنية في الجنوب السوري، ثم يأتي الحديث عن اتفاق سلام.

لم ينس الشرع التأكيد على أن الجولان المحتل يبقى أرضاً سورية، وأن تبعيته ليست موضع تفاوض، لكن اللافت ما كشفه من تفاصيل حوار سابق له مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حين مازحه بشأن اعترافه بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، مقترحاً عليه إعطاء إسرائيل ولاية نيوجيرسي الأميركية، وذلك لأن ترامب على أقل تقدير يمتلك نيوجيرسي “أما الجولان فلا يمتلكه”. والأهم أن الجولان لأهله، ولا يحق للرئيسين، السوري أو الأميركي، أو أي أحد، أن يتنازل عنه للآخرين.

لم يختلف هذا الموقف في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إذ قال إنه “لا يمكن لأي محاولات فرض ‏واقع أن تمس شرعية دولتنا وسيادة قانوننا ونفاذ القانون ‏الدولي، فالجولان سيبقى أرضاً سورية، وجميع إجراءات ‏الضم باطلة وملغاة بقوة قرار مجلس الأمن 497‎. ثم تطرّق للاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة، حيث نفّذ الطيران الحربي الإسرائيلي ما يقارب 500 غارة جوية، وقام جيش الاحتلال بأكثر من 1200 توغل، ونحو 300 عملية اعتقال واحتجاز لمواطنين سوريين. وأعاد تأكيد التزام سورية باتفاق 1974، والمطالبة بانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي السورية، والتراجع إلى مواقعه قبل 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024. ويأتي موقف الشرع هذا، في وقت صعّد فيه الاحتلال الإسرائيلي من اعتداءاته داخل الأراضي السورية، عبر التوغل والقصف وعمليات الخطف، وفي وقت لا يكف فيه قادة حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل عن التبجح، والاستعراض، والإعلان عن تمسّكهم باحتلال الأراضي السورية، ورفضهم الانسحاب منها.

تميّزت زيارة الشرع الثانية نيويورك بطرحه مواقف متوازنة وواقعية، تتّسق مع الثوابت الوطنية السورية

تبرز أهمية ما طرحه الرئيس الشرع في كونه لم يقتصر على تبيان مواقف سورية حيال ملفاتٍ عديدة، واستعراض واقعها الراهن، بل في تقديمه تصوراً لمستقبلها الذي يقوم على المشاركة في المحافل الدولية، والانفتاح الدبلوماسي، وتعزيز الشراكات الدولية، والسعي إلى تأمين الاستقرار، وتحويل سورية إلى دولة فاعلة في وسطها الإقليمي. وعليه، عكست مواقفه في نيويورك رؤية سياسية تسعى إلى تعزيز صورة سورية دولة تسير نحو التعافي، واستعادة دورها الدولي، إضافة إلى تجسيدها رغبة واضحة في الانتقال من خطاب الصراع والأزمة إلى خطاب التنمية والتعاون والحوار.

تميّزت زيارة الشرع الثانية نيويورك بطرحه مواقف متوازنة وواقعية، تتّسق مع الثوابت الوطنية السورية، وحملت رسائل سيادية إلى جانب الطرح التنموي، وحفلت بلقاءات دبلوماسية مكثفة، وبالتالي، حملت دلالات تتجاوز البعد البروتوكولي، وأكدت السعي السوري إلى تثبيت موقع البلاد في المعادلات الإقليمية والدولية في المرحلة المقبلة. ولم تعد نيويورك بالنسبة للشرع محطة للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة فقط، إنما لتعزيز الحضور السوري دولياً، وبناء شراكات وتفاهمات مع قادة الدول. وتبقى الإشارة إلى ضرورة انعكاس الانفتاح الدبلوماسي الخارجي على الوضع الداخلي السوري، حيث توضح الأرقام وجود صعوبات وتحديات هائلة، بالنظر إلى أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر (بمعايير الأمم المتحدة)، فضلاً عن البطالة وارتفاع الأسعار، لذلك المطلوب مضاعفة الجهود لضمان أن تشكّل كل محطة خارجية جسراً لتحسين الأوضاع المعيشية الداخلية، وتمكّن الفئات الهشّة وتساعدها.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى