الشارع يتخبّط ومعه السياسة

فاطمة العيساوي – العربي الجديد:
خسر اليسار الراديكالي في فرنسا كما في بريطانيا الكثير من فرصه الانتخابية وحضوره عبر دعم خيارات شعبوية، سواء من منطلقات حقوقية ذات علاقة بالضغط من أجل تغيير راديكالي أو لعدم القدرة على السيطرة على الشارع بعد استثارته عبر شعارات محرّضة على الدولة والمؤسسات. في لندن، أثار تصويت حزب الخضر على قرار داخلي اعتبر الصهيونية ظاهرة عنصرية غضب السياسة والإعلام التقليدي الذي شنّ أعتى حملاته على زعيم الخضر، زاك بولانسكي، متهماً الحزب بأنه بات منصّة للعداء للسامية. في فرنسا، حمّل حزب فرنسا الأبية في أقصى اليسار وزعيمه جان لوك ميلنشان مسؤولية التخريب والعنف الذي شهدته مدن فرنسية، بما فيها العاصمة باريس، رغم أن لا دليل رسمياً على ضلوع الحزب بأعمال العنف أو الدعوة إليها.
لم يكن بإمكان اليمين المتطرّف الحصول على فرصة أفضل من الحدثين، لحشد فرصه الانتخابية، بما في ذلك في صفوف ناخبي أحزاب الوسط من اليمين واليسار، إذ ساهم الحدثان في ترسيخ وصف الراديكالية بأنها شعار تهويلي، ساهم في مزيد من التطبيع مع عنف شعارات اليمين المتطرّف العنصرية ضد المهاجرين، بوصفهم “خطراً” على الثقافة الغربية. من أوائل المبادرين إلى التهويل زعيم المتطرّفين اليمينيين الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي اعتبر أن فرنسا “تتعرّض للغزو والنهب، وتتحوّل إلى أنقاضٍ على أيدي المهاجرين والجهاديين والشيوعيين”، وتلاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مهندس الإبادة في غزة، في ترويج أن فرنسا أصبحت ملاذاً لما وصفها بالإسلاموية المتطرّفة. حملات العنف اللفظي العنصري ضد المهاجرين والمسلمين منهم بشكل خاص انتقلت من شاشات التلفزة إلى الشارع مع عملية القتل في إحدى الضواحي الفرنسية، والتي راح ضحيتها مواطن وجرح خمسة، في ما اعتبره الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، “نقطة تحوّل في حياة جمهوريتنا وأمتنا”، باعتبارها حادثة القتل الأولى من نوعها في عشوائيتها ودوافعها العنصرية. وكان قتل ناشط من شبّان اليمين المتطرّف قبل شهر في ليون أحدث صدمةً سياسيةً بعد أن تعرّض الضحية للضرب المبرّح في اشتباكاتٍ بين أنصار اليمين المتطرف ومجموعةٍ مناهضةٍ للفاشية أطلقت على نفسها اسم “لا جون غارد”.
فقدان السيطرة على الشارع ربما يكون ثمنه دخول اليمين المتطرّف الهوياتي لاعباً في أعمال العنف وانتقال الانقسام الأيديولوجي الحادّ إلى الشارع
خرج الوضع عن السيطرة من جانبي المشهد السياسي الراديكالي، اليميني واليساري، مع وجوب الحذر من الموازاة بين خطر يمين متطرّف عنصري يحمل شعارات “تطهير” المجتمع من أبناء الهجرة، مروّجاً ما يعتبره خطر عناصر “غير حضارية” دخيلة علـى المجتمع، ويسار راديكالي لم يعد قادراً على السيطرة على عناصر عشوائية كارهة للدولة والمؤسّسات ترى في العنف عملاً تغييرياً. وبين الجانبين، خطاب إعلامي تحريضي انفلت من عقاله، من دون أن تتمكّن التشريعات المرعية أو تقاليد المهنية الصحافية في ضبطه. على الشاشات الفرنسية الخاصة، سال خطاب الكراهية في أشكاله الأكثر وضوحاً. بحسب تحقيق لصحيفة لو موند، فإن سهرة 18 أكتوبر شهدت تجاوزات غير مسبوقة في الحوارات المتلفزة ومنها تصريح لأريك زيمور المرشح السابق لمنصب رئيس الجمهورية ورئيس منظمة Reconquete! نعت فيه مرتكبي عمليات النهب بـ”حشد من الهمجيين المغاربة والأفارقة”، أو ما أسماها “الحثالات العربية المسلمة”، داعياً إلى ما تسمّى الهجرة العكسية من أجل “العودة إلى السلام الأهلي” في البلاد. ولم يتضح الدور الذي لعبته منصّات الإعلام الاجتماعي، خصوصاً منصّات “إنستغرام” و”تيك توك” في تنظيم أعمال العنف، كما في ترويج خطاب الكراهية الذي رافق التظاهرات وأعمال الشغب، كما لم يصدُر عن وزارة الداخلية الفرنسية أي توضيح في هذا الإطار.
تخبّط الخطاب اليساري الراديكالي، في حالتي فرنسا وبريطانيا، ينذر بترجيح حظوظ اليمين المتطرّف الانتخابية، وهو أمر متوقع، أقله في حالة فرنسا
في لندن، خسر حزب الخضر الكثير من رصيده الشعبي والانتخابي. لم يتمكن زاك بولونسكي من انتزاع الانتخابات النيابية لمقعد في وسط لندن من حزب العمّال، رغم تقدّم حظوظ حزبه في الانتخابات المحلية أخيراً، ورغم وجود ما يوازي 20% من الناخبين المسلمين في المنطقة. بعد صعود نجمه في الأشهر الأخيرة منافساً جدّياً لزعيم العمّال، سجّلت معدلات التأييد لزعيم الخضر أدنى مستوياتها، بسبب الجدل حول التصويت على المقترح الداخلي للحزب، أن “الصهيونية عنصرية”، وتبنيه بفارق بسيط مع الأصوات التي رفضته. هل كان خيار الحزب التركيز على الصهيونية، من باب تسجيل موقع متقدّم في الصراع ضد نظام الفصل العنصري في إسرائيل وجذوره الأيديولوجية عقلانياً، في حين أن الأولوية الأولى للحزب في دعم القضية الفلسطينية، كان يفترض أن تبقى متمحورة حول ملفاتٍ أكثر عجالة وأهمية إنسانية، مثل وقف إمداد السلاح لإسرائيل ووقف الإبادة في غزّة؟ هل شكّل دافع الانتصار في السرديات بالنسبة للحزب أولوية تتقدّم على الانتصار السياسي، وما قد يحمله من فرص استثماره في وقف العنف ضد المدنيين، ومحاسبة مرتكبي الإبادة في المحافل الدولية؟
تخبّط الخطاب اليساري الراديكالي، في حالتي فرنسا وبريطانيا، ينذر بترجيح حظوظ اليمين المتطرّف الانتخابية، وهو أمر متوقع، أقله في حالة فرنسا، كما ينذر بحالةٍ من التشويش لدى الناخبين الوسطيين، من اليسار بشكل خاص، الذين لا يجدون في الخطاب الراديكالي انعكاساً لهم. فقدان السيطرة على الشارع ربما لا يكون ثمنه تراجع حظوظ اليسار الراديكالي فحسب، وهو المتهم بشكل أساسي بتأجيج الشارع، بل أيضاً دخول اليمين المتطرّف الهوياتي لاعباً في أعمال العنف وانتقال الانقسام الأيديولوجي الحادّ إلى الشارع. والأخطر من ذلك كله عودة سيطرة الخطاب الأيديولوجي الهوياتي على الشأن العام، بما في ذلك عودة شعارات العداء للمهاجرين إلى واجهة الخطاب السياسي والترويجي اليميني، وتمدّده من فرنسا إلى أوروبا، في أبشع أشكاله، بحجة الدفاع عن الأمن والقانون ومؤسّسات الدولة، ومعها الثقافات المحلية في وجه “الدخلاء”. في أجواء التشويش والخوف من هجمات سيبرانية وغيرها من هواجس أمنية، يدخل الصراع السياسي مرحلة تخبّط قد يكون الشارع، بمختلف أشكاله وألوانه، عنوانه الأساسي، إلا أن تعبيرات هذا الحراك، في أشكالها الإيجابية والسلبية، تبقى في قيد المجهول.




