أبرزشؤون دولية

إسرائيل ما بعد الأزمة السياسية: هل بدأت مرحلة التفكك البنيوي للدولة؟

خاص “موقع رأي سياسي“:

لم تعد الأزمة التي تعيشها إسرائيل قابلة للاختزال في خلاف بين الحكومة والمعارضة، أو في مصير رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومستقبله السياسي. فالمشهد الداخلي يكشف عن مجموعة من الاختلالات المتراكمة التي تتجاوز حدود المنافسة على السلطة، لتطال طبيعة العلاقة بين مؤسسات الدولة ومكوناتها الاجتماعية، ومدى قدرتها على الحفاظ على توازناتها في مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب.

فالانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، التي لم تفضِ إلى حسم واضح يسمح بتشكيل حكومة مستقرة، أظهرت أن الانقسام لم يعد محصوراً في معسكرين سياسيين، بل أصبح أكثر تعقيداً، مع صعوبة التوصل إلى صيغة حكم تحظى بتأييد كافٍ داخل الكنيست. وهذا يعني أن المشكلة لا تتعلق فقط بمن يتولى رئاسة الحكومة، وإنما بالقدرة على إنتاج توافق سياسي يسمح بإدارة الملفات الأساسية للدولة.

لكن البعد السياسي ليس سوى جزء من الصورة. فالمجتمع الإسرائيلي يواجه خلافات متزايدة حول الخدمة العسكرية، ولا سيما إعفاء فئات من المتدينين اليهود من التجنيد، في مقابل استمرار استدعاء قوات الاحتياط وتحميل شرائح واسعة من المجتمع أعباء المواجهات العسكرية. وهذا الخلاف يحمل أبعاداً تتصل بمفهوم المساواة في الواجبات، وبمستقبل العلاقة بين التيارات الدينية والعلمانية، فضلاً عن انعكاساته على تماسك المؤسسة العسكرية.

اقتصادياً، لا تزال كلفة المواجهات الممتدة تضغط على المالية العامة، مع ارتفاع الإنفاق الدفاعي وتزايد أعباء الدين وتراجع المساحة المتاحة لتمويل الخدمات المدنية. ولا يمكن التعامل مع هذه المسألة باعتبارها نفقات استثنائية فحسب، لأن استمرار تخصيص موارد كبيرة للقطاع العسكري قد يترك آثاراً طويلة الأمد على التعليم والصحة والبنية التحتية والاستثمار. وبذلك تصبح الأولويات الاقتصادية جزءاً من الخلاف الداخلي حول مستقبل الدولة، وليس مجرد نقاش تقني بشأن الموازنة.

أما على المستوى الاجتماعي، فتبدو الهوة أكثر وضوحاً بين المكونات التي تختلف في رؤيتها لهوية إسرائيل وطبيعة نظامها السياسي. وقد أظهرت دراسات إسرائيلية حديثة أن الانقسام الداخلي بات يشكل مصدر قلق رئيسياً لدى قطاعات واسعة من السكان، حتى إن بعض الاستطلاعات رصدت مخاوف جدية من تحول الخلافات إلى مواجهات داخلية. ومع ذلك، لا تزال مؤسسات الدولة المهنية، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، تحتفظ بمستويات من الثقة تفوق الثقة بالطبقة السياسية، وهو ما يشير إلى أن التماسك لم يفقد كل مرتكزاته.

خارجياً، تواجه إسرائيل تحدياً إضافياً يتمثل في صعوبة تحويل تفوقها العسكري إلى استقرار سياسي طويل الأمد. فإضعاف الخصوم أو تحقيق مكاسب ميدانية لا يضمن بالضرورة تسوية دائمة، كما أن استمرار المواجهات وتزايد الانتقادات الدولية يضعان علاقاتها مع بعض حلفائها أمام اختبارات متكررة، خصوصاً في ظل النقاش المتصاعد داخل الولايات المتحدة بشأن طبيعة الدعم المقدم لها.

من هنا، فإن توصيف ما يجري بأنه انهيار شامل قد يكون سابقاً لأوانه، لكنه لا يلغي وجود أزمة بنيوية متعددة المستويات. فالدولة لا تنهار بالضرورة عندما تخسر معركة عسكرية أو تتعثر حكومة، بل عندما تصبح عاجزة عن التوفيق بين متطلبات الأمن والاقتصاد والمجتمع والحكم.

والسؤال الذي يواجه إسرائيل اليوم ليس ما إذا كانت ستتمكن من تجاوز أزمة حكومية جديدة، بل ما إذا كانت قادرة على إعادة بناء التفاهمات الداخلية التي تسمح لها بإدارة خلافاتها من دون أن تتحول إلى عامل يهدد استمرارية مؤسساتها. فالمشكلة الحقيقية قد لا تكون في غياب القوة، وإنما في صعوبة تحويل هذه القوة إلى استقرار قابل للاستمرار.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى