رأي

الرياض تبني نموذجًا جديدًا للأمن الإقليمي

محمد الصالحين الهوني – العرب:

المبادرة السعودية لإنشاء تحالف بحري دفاعي تعكس انتقال الرياض من ردود الفعل المنفردة إلى بناء منظومة جماعية تحمي الملاحة والطاقة وتواجه التهديدات الإيرانية.

المبادرة السعودية لإنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات تكتسب أهمية تتجاوز بعدها العسكري المباشر. فالرياض لا تتعامل مع البحر الأحمر باعتباره مجرد جبهة أخرى في مواجهة الحوثيين، بل تنظر إلى أمنه باعتباره جزءًا من منظومة أمن إقليمي ودولي أوسع.

المغزى السياسي هنا واضح: السعودية لا تريد أن تظل في موقع الدولة التي تتلقى التهديد ثم تبحث عن رد منفرد عليه، وإنما تسعى إلى تحويل حماية الملاحة إلى مسؤولية جماعية، بحيث تصبح أي محاولة لتهديد الممرات البحرية مواجهة مع منظومة دولية وإقليمية أوسع.

وهذا تحول مهم في مفهوم الردع.

فالردع التقليدي يقوم على امتلاك الدولة القدرة على الرد إذا تعرضت مصالحها للخطر. أما الردع الجماعي فيضيف عنصرًا أكثر تعقيدًا: جعل تكلفة الاعتداء أعلى سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، لأن الطرف الذي يهدد سفينة أو ممرًا ملاحيًا لا يواجه دولة واحدة، بل شبكة من الدول التي تتشارك المصلحة في استمرار حرية الملاحة.

وهنا تكمن أهمية التحالف البحري المقترح. فهو لا يحتاج بالضرورة إلى أن يتحول إلى قوة هجومية ضخمة حتى يحقق أهدافه. يكفي أن يمتلك منظومة فعالة للإنذار المبكر، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والمراقبة البحرية، وحماية السفن، وتنسيق الاستجابة للحوادث، حتى يصبح قادرًا على تقليص مساحة المفاجأة التي تعتمد عليها الجماعات المسلحة في تنفيذ هجماتها.

والسعودية ليست جديدة على هذا النوع من التعاون البحري. فقد شاركت قواتها البحرية منذ سنوات في أطر أمنية متعددة الجنسيات، كما تولت في أغسطس/آب 2023 قيادة قوة المهام “سنتينل” التابعة لبنية أمنية بحرية دولية تراقب الملاحة عبر ممرات استراتيجية، في خطوة اعتبرتها البحرية الأميركية انتقالًا مهمًا نحو قيادة إقليمية أكبر. كما توسع التعاون السعودي البحري ليشمل البحر الأحمر وباب المندب ضمن ترتيبات أمنية دولية منذ عام 2022.

لكن التطورات الحالية تمنح هذه الخبرة معنى جديدًا. فالسعودية لم تعد تتعامل مع أمن البحر باعتباره ملفًا عسكريًا منفصلًا، بل بوصفه جزءًا من أمنها الاقتصادي والاستراتيجي. وقد أصبح هذا الترابط أكثر وضوحًا بعد تهديدات الحوثيين للسفن والموانئ السعودية في يوليو/تموز، والهجمات التي أعقبت إعلان ما سُمّي بالحصار البحري. وفي 25 يوليو، أعلنت قيادة التحالف الذي تقوده السعودية تنفيذ رد عسكري على أهداف حوثية، مؤكدة في الوقت نفسه أن الموانئ اليمنية الرئيسية ما تزال مفتوحة للملاحة التجارية .

هذه التطورات تضع الرياض أمام معادلة دقيقة: كيف تحمي مصالحها من دون أن تسمح بتحويل البحر الأحمر إلى ساحة حرب دائمة؟

الإجابة السعودية تبدو متجهة نحو الجمع بين الردع والدبلوماسية. فالقوة البحرية لا تكون فعالة فقط عندما تطلق النار، وإنما عندما تمنع إطلاق النار أصلًا. وكلما أصبحت السفن التجارية أكثر اطمئنانًا إلى وجود منظومة مراقبة وحماية قادرة على الاستجابة السريعة، تراجعت قدرة الجماعات المسلحة على استخدام الخوف كسلاح اقتصادي.
وهذا هو جوهر الأمن الجماعي.

فالحوثيون، بوصفهم جماعة مدعومة من إيران، يمثلون جزءًا من مشكلة أكبر تتعلق باستخدام الوكلاء المسلحين للضغط على الدول والممرات البحرية. وإذا كانت طهران قد طورت خلال السنوات الماضية نموذجًا يقوم على توسيع مجال نفوذها من خلال أطراف محلية مسلحة، فإن الرد المقابل لا يجب أن يكون بالضرورة إنشاء وكلاء مضادين، وإنما بناء شبكات من الدول والمؤسسات القادرة على حماية مصالحها بصورة مباشرة.

من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى المبادرة السعودية باعتبارها محاولة لنقل قواعد اللعبة من حرب الوكلاء إلى أمن الدول.

وهذا التحول مهم خصوصًا بالنسبة إلى دول الخليج، لأن أمن البحر الأحمر لم يعد منفصلًا عن أمن الخليج العربي. فالمعادلة البحرية الإقليمية باتت مترابطة: باب المندب في الجنوب، والبحر الأحمر في الغرب، وبحر العرب في الشرق، ومضيق هرمز في الشمال الشرقي. وأي اضطراب في أحد هذه الممرات يمكن أن ينعكس سريعًا على الممرات الأخرى وعلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية.

لذلك، فإن الخطوة السعودية يمكن أن تكون بداية لنموذج أوسع للأمن البحري الإقليمي، لا يقتصر على باب المندب، بل يمتد مستقبلًا إلى الخليج العربي ومضيق هرمز، حيث تتقاطع مصالح دول مجلس التعاون مع المصالح الدولية في حرية الملاحة وأمن الطاقة.

لكن نجاح هذا النموذج لن يتوقف على عدد الدول المنضمة إليه، وإنما على قدرته على بناء قابلية تشغيل مشتركة. فالتحالفات لا تصبح قوية بمجرد البيانات السياسية؛ قوتها الحقيقية تظهر عندما تستطيع الدول تبادل المعلومات في الوقت الحقيقي، وتنسيق دورياتها، وتوحيد قواعد الاستجابة، والتعامل مع الطائرات المسيّرة والصواريخ والزوارق غير المأهولة والألغام البحرية باعتبارها تهديدات متكاملة.

وهنا يمكن للسعودية أن تلعب دورًا يتجاوز حجم مشاركتها العسكرية المباشرة. فالمملكة تمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وتطل على البحر الأحمر والخليج، وتمثل إحدى أكبر القوى الاقتصادية والطاقة في المنطقة. كما أن استقرار طرق تصدير الطاقة بالنسبة إليها ليس قضية تجارية فحسب، بل عنصر من عناصر الاستقرار العالمي.

ولهذا، فإن الرياض لا تتحرك دفاعًا عن مصالحها وحدها. حماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب تعني حماية التجارة الدولية، وتقليل مخاطر ارتفاع كلفة النقل والتأمين، والحفاظ على تدفقات الطاقة، وهي مصالح تتجاوز الحدود السعودية.

وهنا تحديدًا تتشكل القيمة الإستراتيجية للمبادرة.

فالسعودية التي كانت خلال عقود طرفًا رئيسيًا في ترتيبات الأمن الإقليمي، تبدو اليوم أكثر استعدادًا للانتقال إلى موقع صانع الترتيبات الأمنية. وهذا فرق جوهري. الدولة التي تشارك في منظومة أمنية تستفيد من قواعدها، أما الدولة التي تساعد على بناء المنظومة فتشارك في صياغة قواعد اللعبة نفسها.

ولا يعني ذلك أن الرياض تبحث عن مواجهة مفتوحة مع إيران. على العكس، فإن أقوى رسالة يمكن أن يحملها التحالف البحري هي أن أمن المنطقة لا يحتاج إلى حرب شاملة حتى يكون محميًا. فوجود قوة جماعية قادرة على حماية الملاحة قد يكون وسيلة لمنع التصعيد، وليس دعوة إليه.

وهنا تلتقي القوة بالدبلوماسية. كلما أصبح الردع أكثر مصداقية، أصبحت مساحة التفاوض أكبر؛ لأن الطرف الآخر يدرك أن استخدام القوة لن يكون بلا ثمن. وكلما كانت قنوات الحوار مفتوحة، أمكن استخدام الردع لمنع الحرب بدل استخدامها كطريق إليها.

وهذا هو الرهان الحقيقي للرياض: أن تجعل من أمن البحر الأحمر والخليج جسرًا للتعاون الإقليمي، لا خط تماس جديدًا في حرب لا تنتهي.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى