رأي

الحرب على إيران أثبتت صحة استراتيجية الصين في مجال الطاقة

جون كيمب – صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية:

صحيفة “فايننشال تايمز” تتحدث عن استراتيجية الصين في مجال أمن الطاقة والنفط والتي جنبتها إلى حد كبير تبعات الحرب على إيران.

على مدى عقدين من الزمن، انشغل صناع السياسات في الصين بتقليل اعتماد البلاد على النفط والغاز المستوردين وما يترتب على ذلك من ضعفها أمام الحصار البحري في أي صراع مستقبلي مع الولايات المتحدة.

في عام 2003، وصف الرئيس هو جين تاو هذا الضعف بـ”معضلة ملقا”، محذراً من أن بعض القوى الكبرى عازمة على السيطرة على المضيق. ونُقل عنه قوله: “ليس من المبالغة القول إن من يسيطر على مضيق ملقا سيُحكم قبضته على طريق الطاقة إلى الصين”.

منذ ذلك الحين، ركزت الاستراتيجية العسكرية الصينية على تحديث وتوسيع الأسطول البحري لحماية خطوط الإمداد.

أمّا على صعيد الطاقة، فقد عززت الصين الإنتاج، وشجعت على رفع كفاءة استخدام الطاقة، وتحولت إلى أنواع الوقود البديلة، ووسعت نطاق استخدام السيارات الكهربائية، ونوّعت وارداتها، وراكمت مخزونات استراتيجية ضخمة.

في نهاية المطاف، جعلت استعدادات الصين لنزاعٍ يتركز حول تايوان ومضيق ملقا، من وضعها أقل عرضةً للحرب في “الشرق الأوسط”. فقد تجنبت البلاد إلى حد كبير ارتفاع الأسعار وتقنين الإمدادات الذي ضرب دولاً أخرى في آسيا.

ومن المرجح أن يستنتج صناع القرار الصينيون أن نهجهم قد أثبت جدواه، مما يشجعهم على تعزيز استراتيجيتهم. ومن المرجح أيضاً أن تحذو دول أخرى في آسيا وبقية العالم حذوها في تبني بعض عناصر هذه الاستراتيجية، مما سيؤثر على أسواق الطاقة.

عناصر الاستراتيجية الصينية
وتشمل هذه العناصر ما يلي:

  • الإنتاج المحلي: ترى بكين أن الصين غنية بالفحم، وفقيرة بالنفط، وتفتقر إلى الغاز. تستورد البلاد 10% من احتياجاتها من الفحم، و40% من الغاز، وأكثر من 70% من النفط.

وللحد من الحاجة إلى الواردات، شجعت الصين زيادة إنتاج الغاز من سيتشوان في الجنوب الغربي، وشينجيانغ، وشنشي، ومنغوليا الداخلية في الشمال، مع مواصلة التنقيب عن النفط في بحر بوهاي، وتقليل استخدام المنتجات البترولية.

وقد تم نشر مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الكهرومائية، وطاقة الرياح، والطاقة الشمسية، بأسرع وقت ممكن، بينما تستخدم البلاد الفحم كركيزة أساسية لضمان أمن الطاقة.

  • التحول إلى الطاقة الكهربائية: نشرت الصين السيارات الكهربائية وغيرها من مركبات الطاقة الجديدة بوتيرة أسرع من أي دولة أخرى، حيث تُسهم هذه المركبات حالياً في خفض استهلاك البنزين والديزل بنحو مليون برميل يومياً.

ولكن مع ازدياد نسبة المركبات الكهربائية في الأسطول، من المتوقع أن يتضاعف هذا الاستهلاك أربع مرات ليصل إلى أكثر من 4 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2035، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.

وتفترض الخطة الخمسية الـ15 للحكومة أن استهلاك النفط سيبلغ ذروته قبل نهاية العقد، بينما قد يكون الطلب على البنزين والديزل قد بلغ ذروته بالفعل.

  • التنويع: تتوقع الصين الاعتماد على الواردات في المستقبل المنظور، لذا شجعت الحكومة تنويع طرق الإمداد مع الحفاظ على علاقات ودية مع مجموعة واسعة من المصدرين.

قبل الحرب، استوردت الصين ما يقرب من 60% من نفطها الخام من “الشرق الأوسط”، لكن هذه النسبة كانت أقل بكثير من اليابان (أكثر من 90%) ومعظم دول المنطقة.

وحصلت الصين على 54% من غازها المستورد عن طريق البحر، لكن 17% فقط منه جاء من “الشرق الأوسط”، بينما جاء معظم الباقي من روسيا وأستراليا.

ووصل ما يقرب من نصف واردات الغاز براً عبر خطوط الأنابيب من روسيا وآسيا الوسطى، مما جعلها بمنأى عن الحصار.

كما سعت الصين إلى “توسيع دائرة حلفائها” في مجال الطاقة، فعملت على توطيد علاقاتها مع السعودية والإمارات والعراق وقطر، فضلاً عن إيران.

ونتيجة لذلك، سُمح في الغالب لناقلات النفط التي ترفع العلم الصيني والمتجهة إلى الصين بالمرور عبر الحصار المفروض على الخليج والبحر الأحمر.

  • التخزين: جمعت الصين أحد أكبر مخزونات النفط الخام في العالم، ويُعدّ حجمها الدقيق سراً من أسرار الدولة. ولكن قبل الحرب، كانت الصين تستورد مليون برميل يومياً أكثر مما تُعالجه مصافيها، مع إضافة معظم الكمية المتبقية إلى المخزونات التجارية والاستراتيجية.

وقُدّر إجمالي المخزونات بأكثر من مليار برميل، وهو ما يكفي لتعويض الواردات بالكامل لأكثر من مئة يوم. كما امتلكت اليابان وكوريا الجنوبية مخزونات ضخمة قبل الحرب، بينما كانت المخزونات في معظم دول المنطقة أقل بكثير، وفي بعض الحالات شبه معدومة.

ولجأت الصين إلى هذه المخزونات للحفاظ على إمدادات الوقود المحلية. وانخفضت واردات النفط الخام بأكثر من 1.3 مليون برميل يومياً في الأشهر الـ6 الأولى من عام 2026، لكن إمدادات الوقود ظلت مستقرة بشكل عام.

وتخطط دول آسيوية أخرى الآن لزيادة كبيرة في مخزوناتها لتجنب مشاكل الإمداد في المستقبل.

في الخلاصة، كشفت الحرب على إيران عن قيمة سلاسل الإمداد المتنوعة والاحتياطيات الاستراتيجية – وهي دروس طبقتها الصين على مدى العقدين الماضيين والتي تم تعلمها الآن بشكل مؤلم في جميع أنحاء المنطقة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى