رأي

الحرب الوحيدة التي يستعد لها البيت الأبيض هي الحرب الثقافية

كتب كوري شاك, في مجلة “فورين بوليسي” الأميركية:

إنّ استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة كارثة أخلاقية واستراتيجية.

استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب ليست استراتيجية. ورغم استعلائها المتشدد حين تشرح أنَّ “الاستراتيجية هي خطة ملموسة وواقعية تجسر الصلة الجوهرية بين الغايات والوسائل”، فإن الوثيقة التي صدرت في 5 الشهر الجاري، فشلت في الوفاء بهذا المعيار. فهذه “الاستراتيجية” هي في الحقيقة بيان للقيم التي تمثل تخريباً للأشياء ذاتها التي جعلت الولايات المتحدة الأميركية قوية وآمنة ومزدهرة.

وتزعم الوثيقة بسرديتها أنَّ أولوية المصالح الحيوية للولايات المتحدة تكمن في سعيها إلى “ضمان أن يبقى نصف الكرة الغربي مستقراً بشكل معقول، فضلاً عن حكم جيد بما يكفي لمنع وتثبيط الهجرة الجماعية إليها”، ثم تصطلح بشكل ساخر “مبدأ ترامب” موازاة مع “مبدأ مونرو”، على الرغم من أنَّ ما يعنيه هذا غير محدد. أما أولويات الولايات المتحدة الأخرى في استراتيجية ترامب فهي “وقف وعكس الضرر المستمر الذي تلحقه الجهات الفاعلة الأجنبية بالاقتصاد الأميركي”، ودعم حلفائنا في الحفاظ على حرية أوروبا وأمنها، ومنع أي قوة معادية من الهيمنة على الشرق الأوسط”، و”ضمان أنَّ التكنولوجيا الأميركية والمعايير الأميركية، وخصوصاً في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والحوسبة الكمومية تدفع العالم إلى الأمام.

لا تشرح الوثيقة كيفية تأثير سياسات الرئيس دونالد ترامب الداخلية، مثل التحركات ضد استقلال الجامعات أو الترحيلات العدوانية، في قدرة البلاد على الحفاظ على تلك المزايا. كما أنَّها لا تُحوّل هذه الأصول إلى استراتيجية فعلية. وبدلاً من ذلك، تُدرج مبادئ مثل “الواقعية المرنة” التي دحضها أحد الأذكياء على وسائل التواصل الاجتماعي ووصفها بـ”السوريالية المرنة”، كونها لا توضح كيفية ترجمتها إلى سياسات وميزانيات، وتكتفي بتكرار قوائم أمنيات الاستراتيجيات السابقة التي لطالما انتقدتها.

التناقضات كثيرة في الوثيقة تُشيد بـسيادة القانون والاحترام، بينما تُسيء بشدة إلى القرارات السيادية الأوروبية، وتدعو إلى التدخل في قراراتها السياسية. كما تتضمن هفوات مُضحكة من انعدام الوعي الذاتي، مثل التصريح العابر بأنَّ “الوزارات والوكالات في حكومة الولايات المتحدة قد مُنحت سلطات هائلة، ويجب ألا يُساء استخدام هذه السلطات أبداً. ومن الأمثلة الأخرى، بالنظر إلى تدمير إدارة ترامب لسياسات استمرت 25 عاماً لإقناع الهند بالتعاون الوثيق مع الولايات المتحدة، تدعو الاستراتيجية واشنطن كي تواصل جهود تحسين العلاقات التجارية وغيرها مع الهند.

وتُهاجم الوثيقة النخب واستراتيجياتهم السابقة بزعم أنًّهم “أساؤوا تقدير استعداد أميركا لتحمّل أعباء عالمية إلى الأبد، وهي أعباء لم ير الشعب الأميركي أي صلة لها بالمصلحة الوطنية.” وقد كررت هذا الفكرة الخاطئة إدارة بايدن باعتقادها أنَّ الإدارات السابقة فشلت في التركيز على “السياسة الخارجية من أجل الطبقة الوسطى.” وكلا النهجين فشلا ببساطة في إثبات أنَّ النظام الدولي المستقر المدعوم بالأمن الأميركي، يُعزز من ازدهار للأميركيين وغيرهم، ويوفر حوافز للتعاون الطوعي من قبل الدول الأخرى لدعم القوة الأميركية.

هذه “الاستراتيجية” تفتقر إلى أجندة إيجابية للدفع بها إلى الأمام، ولا تُقدّم أي مبرر للدول الأخرى لمساعدة المصالح الأميركية أو قبولها. وهي تنص على أنَّ “شؤون الدول الأخرى هي من اهتماماتنا فقط إذا كانت أنشطتها تُهدد مصالحنا بشكل مباشر”. فكيف يُمكن لإدارة ترامب إذاً إقناع الدول الأجنبية بالمساهمة في تعزيز المصالح الأميركية.

وترد إدارة ترامب على ذلك، بأنَّ كل دولة سوف تعمل على تعزيز مصالحها الخاصة، لكنها تفترض على نحو خاطئ أنَّ تدخلها في السياسة الداخلية للدول الأخرى، في وقت فشلت في مساعدتها أو حتى حمايتها، فإنَّ هذه الدول سوف تسهل وتشارك في العمليات العسكرية الأميركية، وتنخرط باستخدام الأنظمة المالية الأميركية، وتشتري المنتجات الأميركية، وتوفر للولايات المتحدة الوصول إلى مواردها وأسواقها، بينما تستغل واشنطن كل هذا بشكل واضح كسلاح.

إنَّ الإخفاقات الاستراتيجية غالباً ما تكون أيضاً إخفاقات في الخيال. لكن هذه الاستراتيجية تفتقر إلى الخيال أيضاً، مع أنَّها يجب أن تتوقع أنَّ الدول الأجنبية قد بدأت بالفعل في اتخاذ تدابير احترازية ضد القوة الأميركية، وقد تتحرك بالفعل لبناء نظام عالمي جديد (ما بعد أميركا) ويحميها حالياً من الهيمنة الأميركية.

إنَّ العولمة تتقدم، وهذه الاستراتيجية ستضمن أن تستمر من دون الولايات المتحدة. وهذا يعني أنَّ أهداف هذه الاستراتيجية ستكون غير قابلة للتحقيق. وما تفعله هذه الاستراتيجية المزعومة هو رفض القيم التي قام عليها النظام الدولي بعد عام 1945. وهي لا تُبدي أي اهتمام بالصراعات بين الدول حيث لم يُذكر غزو روسيا لأوكرانيا إلا بشكل عابر، ولا تأخذ بعين الاعتبار البعد الأيديولوجي للدول.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى