الجزائر والتضحية بالفرنسيّة

د. آمال موسى – الشرق الأوسط:
بالحديث عن واقع النفوذ الفرنسي في المغرب العربي، والتراجع الكبير الذي كان يميز التحصيل الدراسي في اللغة الفرنسية، فإنه قد بات هناك ما يشبه النفور تجاه الفرنسية في الأجيال الجديدة لصالح ميل واضح نحو الإنجليزية.
طبعاً من السطحية الاكتفاء بتفسير تراجع الإقبال على الفرنسية بهيمنة الإنجليزية على العالم معرفةً وتعاملاتٍ؛ فالقضية في المغرب العربي تحديداً أكثر تعقيداً وتشابكاً بين أسباب عدّة يتعالق فيها الثقافي والهوياتي وصولاً إلى السياسي والجمر النائم تحت الرماد.
ويتضاعف التعقيد عندما يتعلق الأمر بالجزائر وعلاقتها بفرنسا؛ حيث إن كل شيء في هذه العلاقة مختلف، بدءاً من طبيعة الاستعمار الذي كان احتلالاً استيطانياً وليس حماية، كما هو حال تونس والمغرب، وأيضاً طول مدة الاستعمار التي امتدت من 1830 إلى تاريخ الاستقلال سنة 1962، أي قرن وجيل كامل؛ الأمر الذي جعل الندوب جروحاً عميقة تراها بالعين المجردة في متاحف الجزائر التي تروي جرائم الاستعمار الفرنسي، مع حرص شديد على نقل سرديّات الجرائم إلى الأجيال الصاعدة كي لا تُنسى. ولقد عاينتُ ذلك بنفسي أثناء مشاركة رسميّة تخللها تنظيم زيارة إلى متحف الجزائر، وشدة الوفاء للشهداء.
إذن لا يمكن تفسير قرار الجزائر مؤخراً إلغاءَ الفرنسية في السنة الثالثة ابتدائي، والإبقاء على الإنجليزية، اتقاء لما يُسمَّى صدمة اللغتين في السن المبكرة؛ بأن الأمر يعود إلى كون الفرنسية ترتيبها الرابعة بعد الإسبانية والصينية والإنجليزية، وأنها لم تعد لغة الدبلوماسية الأولى، كما كان شأنها قبل الحرب العالمية الأولى. كما لا يبدو لنا التفسير بكون الولايات المتحدة الأميركية نجحت بعد الحرب العالمية الثانية في منتصف القرن العشرين، في بداية إزاحة اللغة الفرنسية عن العالمية المتقدمة، من التفسيرات عالية الإقناع.
أيضاً لا شك في أن الخطاب التسويقي للقرار لا غبار عليه؛ إذ إن القدرة الاستيعابية للطفل من الصعب أن تتحمل تخمة لغوية، والتمكن من لغتين إلى جانب العربية (اللغة الأم) في سن مبكرة. ولكن المشكل ليس في فلسفة الإصلاح اللغوي بيداغوجيّاً، بل في اللغة التي اختارت الجزائر التضحية بها، وهي الفرنسية؛ ذلك أن تأجيل تدريس الإنجليزية كان يمكن أن يلبي الفلسفة المتوخاة. ولكنّ الجزائريين اختاروا إسقاط الفرنسية، وتفضيل الإنجليزية عليها.
من المهم أن نشير إلى أن هذا القرار ليس معزولاً عن سياق المقاربة التدريجية الجزائرية للحد من حضور الثقافة الفرنسية في الفضاء السيميائي الجزائري. وهنا نلوّح إلى تعميم الإنجليزية في المدارس العليا للذكاء الاصطناعي والمدرسة العليا للرياضيات، منذ ما يقارب الأربع سنوات، وهو توجه تم توصيفه آنذاك بأنه غير مسبوق.
في المقاربة نفسها نذكر أنه، سنة 2021، صدرت بيانات من عدة وزارات جزائرية تدعو إلى منع استعمال الفرنسية في التعاملات اليومية مع المواطنين، واستندت البيانات الرسمية إلى المادة الثالثة من الدستور الجزائري، التي تقرّ بأن العربية هي اللغة الرسميّة للبلاد.
وبالعودة إلى القرار الصادر حديثاً الذي نركز عليه، فإنه قد يرى البعض أن الأمر ليس أكثر من قرار بيداغوجي محض. غير أن الحقيقة تقول إننا أمام قرار في ظاهره بيداغوجي، وفي باطنه سياسي بامتياز، تماماً كما هي أسباب المقاربة التدريجية للحد من النفوذ الثقافي الفرنسي. بل نحن أمام تحول تاريخي في علاقة الجزائريين بالفرنسية التي تؤكد دراسات أنها تراجعت بأكثر من 25 في المائة في السنوات الخمس الأخيرة لصالح الإنجليزية.
وبتفكيك المسكوت عنه في هذا التحول التاريخي الذي يشكل سياسياً صفعات متتالية لفرنسا ذات الحساسية العالية تجاه ثقافتها ولغتها، نجد أن هذه المقاربة يمكن اعتبارها رد فعل ضد مسألتين أساسيتين: الأولى التوتر السياسي القائم بين الجزائر وفرنسا على خلفية ملف الذاكرة، ومطالبة الجزائر باعتراف رسمي بالجرائم الاستعمارية والاعتذار والتعويضات. ورغم أن فرنسا حاولت المراوغة بتشكيل لجان مؤرخين مشتركة، فإن أعمال هذه اللجان ظلَّت مجمَّدة، ولم تقم فرنسا بالاعتراف والاعتذار باعتبار تكلفتهما الباهظة جداً، ولا نعتقد أنها قادرة على ذلك.
أما المسألة الثانية التي زادت الطين بلة (بالنسبة إلى الجزائر)، حيث تعمقت الأزمة بين البلدين، فتتعلق بتأكيد فرنسا، سنة 2024، دعمها لمخطط المغرب للحكم الذاتي في الصحراء الغربية، وهي قضية في غاية الحساسية والتعقيد جزائرياً ومغربياً.
إذن نحن أمام طلاق صامت على مراحل، يشبه الطلاق للضرر.




