أبرزاقتصاد ومال

الاقتصاد والمالية العامة في لبنان: استقرار هشّ وأزمة لم تُحسم

لا يزال الاقتصاد اللبناني يواجه تحديات عميقة تتجاوز المؤشرات النقدية الظاهرة، لتطال القدرة الشرائية للمواطنين، واستمرارية المؤسسات الخاصة، وإمكانات الدولة في إدارة المال العام. فبعد سنوات من الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، لم يتمكن لبنان من الانتقال إلى مرحلة التعافي المستدام، فيما أعادت التطورات الأمنية والعسكرية خلال عام 2026 الضغوط إلى مختلف القطاعات الاقتصادية والإنتاجية.

وتشير التقديرات الصادرة عن البنك الدولي إلى أن الاقتصاد اللبناني مرشح للانكماش بنسبة 6.4% خلال عام 2026، بعد تسجيل نمو قُدّر بنحو 4.2% عام 2025. ويعكس هذا التراجع هشاشة التعافي الذي تحقق، ومدى تأثر الاقتصاد بالاضطرابات الأمنية، وتراجع السياحة والاستهلاك والاستثمار، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والمساكن.

المالية العامة بين الانضباط وضغط الإنفاق

تواجه المالية العامة معادلة صعبة تتمثل في ضرورة ضبط الإنفاق وتحسين الإيرادات، من جهة، وتلبية الاحتياجات الاجتماعية والإنمائية وتمويل إعادة الإعمار، من جهة أخرى. فالفائض المالي الذي سجلته الدولة خلال عام 2025 لم يكن كافيًا لإزالة الاختلالات البنيوية أو معالجة أزمة الدين العام، كما أن استمرار التوترات الأمنية يزيد الأعباء على الخزينة ويحدّ من قدرة الدولة على توجيه الأموال نحو الاستثمار والخدمات الأساسية.

ولا تكمن المشكلة في حجم الإيرادات وحده، بل في طبيعة النظام الضريبي وكفاءة الإنفاق العام. فالدولة تحتاج إلى سياسة مالية أكثر عدالة وشفافية، تحدّ من التهرب الضريبي، وتوسّع قاعدة المكلفين، وتمنع تحميل أصحاب الدخل المحدود أعباء إضافية لا تتناسب مع قدرتهم على التحمل.

الودائع والمصارف: العقدة الأساسية

تبقى الأزمة المصرفية من أبرز الملفات التي تعيق استعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني. فالمودعون ينتظرون حلًا واضحًا وعادلًا لأموالهم، فيما لا يزال القطاع المصرفي عاجزًا عن استعادة دوره الطبيعي في تمويل الشركات والأفراد وتحريك عجلة الاستثمار.

وقد شكل إقرار تعديلات على قانون معالجة أوضاع المصارف خطوة في مسار الإصلاح، لكن الطريق لا يزال يتطلب إطارًا قانونيًا متكاملًا لتحديد الخسائر وتوزيع المسؤوليات، وإعادة هيكلة المصارف، ووضع آلية واقعية وشفافة لاسترداد الودائع. ويجب ألا يتحول التأخير في معالجة الأزمة إلى وسيلة إضافية لنقل الخسائر إلى المودعين أو الخزينة العامة، على حساب حقوق المواطنين والأجيال المقبلة.

وفي هذا السياق، يشكل التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي فرصة محتملة لاستعادة الثقة وتوفير الدعم الخارجي، لكنه ليس حلًا سحريًا. فنجاح أي برنامج يرتبط بقدرة الدولة على تنفيذ الإصلاحات، وتطبيق قواعد واضحة للمحاسبة، وضمان توزيع عادل للأعباء المالية.

المواطن في مواجهة الغلاء وتراجع الخدمات

تنعكس الاختلالات الاقتصادية مباشرة على الحياة اليومية للبنانيين، من خلال ارتفاع تكاليف السكن والطاقة والنقل والتعليم والاستشفاء، وتراجع القدرة على الادخار والتخطيط للمستقبل. كما أن استمرار ضعف الخدمات العامة يدفع الأسر إلى تحمّل نفقات إضافية، فيما تواجه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة صعوبات في تأمين التمويل والحفاظ على فرص العمل.

ومن هنا، لا يمكن قياس التعافي الاقتصادي باستقرار سعر الصرف وحده، بل بمدى تحسن الدخول الحقيقية، وتراجع الفقر، وخلق فرص العمل، وقدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات الأساسية. فالاستقرار النقدي، على أهميته، يبقى هشًا إذا لم يستند إلى اقتصاد منتج ومؤسسات عامة فاعلة.

أي طريق للخروج من الأزمة؟

يحتاج لبنان إلى خطة اقتصادية ومالية متكاملة، لا إلى إجراءات متفرقة أو حلول مؤقتة. وتبدأ هذه الخطة بإعادة هيكلة القطاع المصرفي، ومعالجة أزمة الودائع وفق قواعد عادلة وقابلة للتنفيذ، وإقرار إصلاحات مالية واضحة، وإعادة تنظيم الدين العام، وتعزيز استقلالية القضاء وأجهزة الرقابة.

كذلك، يتطلب التعافي دعم القطاعات القادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل، وفي مقدمتها الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والخدمات، إلى جانب إعادة تأهيل البنية التحتية وتحسين الكهرباء والنقل والإدارة العامة. ولا يمكن تحقيق ذلك من دون بيئة سياسية وأمنية مستقرة، وثقة داخلية وخارجية بجدية الدولة في تنفيذ التزاماتها.

إن التحدي الحقيقي أمام لبنان لا يتمثل فقط في تجاوز الانهيار السابق، بل في منع تكرار أسبابه. فالأزمة لم تكن مالية بحتة، بل ارتبطت أيضًا بخلل في إدارة الدولة وضعف المساءلة وتأجيل القرارات الصعبة.

ويبقى السؤال الأساسي: هل تنجح الدولة في تحويل الإجراءات الإصلاحية إلى مسار اقتصادي مستدام، أم يستمر الاستقرار النسبي في إخفاء أزمة لم تُحسم بعد؟ الإجابة ستتوقف على القرارات التي ستُتخذ في المرحلة المقبلة، وعلى مدى استعداد القوى السياسية لتحمّل مسؤولياتها، ووضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.

المصدر: رأي سياسي

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى