الأردن وسوريا.. شراكة لم نعهدها من قبل

فهد الخيطان – الجزيرة :
حتى يوم الثامن من شهر ديسمبر/كانون الأول 2024، كانت سوريا في القاموس السياسي الأردني تعرف بوصفها الجبهة الشمالية، في إشارة صريحة لما تمثله كمصدر تهديد عسكري وأمني للداخل الأردني.
التغيير الكبير الذي حدث في دمشق، شكل فرصة تاريخية غير مسبوقة للبلدين، إذ لم يسبق أن كان في سوريا نظام حكم لا يحمل نوايا سيئة تجاه الأردن، بل حكومة تحمل برنامجا وطنيا غير عابر للحدود، يسعى لإعادة بناء الدولة الوطنية السورية، بدون أوهام أو أطماع خارجية، ويرغب بعلاقات مع الجيران والأشقاء قائمة على الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة.
ونظرا لأهمية سوريا في معادلات الأمن والاقتصاد الأردنية، لم تتأخر الدولة في التقاط اللحظة الحاسمة في دمشق والبناء عليها. فكان وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي أول وزير خارجية عربي يزور دمشق بعد سقوط نظام بشار الأسد.
منذ ذلك التاريخ انطلقت مرحلة جديدة في تاريخ العلاقات بين البلدين، تعمقت بشكل متسارع على وقع أحداث إقليمية وداخلية سورية، أملت على الطرفين تدشين قنوات اتصال دائمة.
كانت الحكومة الجديدة في دمشق بأمس الحاجة لدعم دبلوماسي عربي لتعبر من خلاله للمجتمع الدولي المتشكك بنواياها، وقد لعب الأردن هذا الدور على نحو فعال للغاية، خاصة مع الاتحاد الأوروبي الذي تربطه بعمّان اتفاقية تحالف إستراتيجي، الأمر الذي ساعد برفع العقوبات عن سوريا.
بعد أشهر قليلة فقط من تشكيل الحكومة السورية الجديدة، وزيارات متبادلة على أعلى المستويات، تأسس مجلس أعلى للتنسيق بين البلدين، في خطوة لم يحصل مثلها من قبل.
وإلى جانب هذا المجلس الذي تولى إدارة شؤون التعاون في مجالات ثنائية متعددة، تولت هيئة رفيعة المستوى، تضم وزير الخارجية في البلدين وقادة الجيش والأجهزة الأمنية، تنسيق السياسات والملفات المتعلقة بالأمن القومي.
إعلان
كانت أزمة محافظة السويداء المجاورة للحدود الأردنية، والمفتوحة على تداخل ديمغرافي قديم، أهم اختبار للنوايا الأردنية حيال سوريا، قدمت من خلاله عمان موقفا حاسما حمل للجانب السوري رسالة واضحة لا تقبل التأويل تؤكد الحرص على وحدة الدولة السورية؛ أرضا وشعبا، وترفض دعوات الانفصال التي أطلقها فريق في السويداء.
رفض الأردن بشكل مطلق دعوات الانفصاليين في السويداء لفتح ممر حدودي مع المحافظة، بذرائع إنسانية، باعتبار ذلك خرقا للسيادة السورية، ومدخلا لتكريس الانفصال. مثلما رفض محاولات إسرائيلية لفتح طريق التفافي عبر الأراضي الأردنية لمرور قوافل المساعدات للانفصاليين في مدينة السويداء.
وبتفاهم منسق مع القيادة السورية انخرطت الدبلوماسية الأردنية بشراكة مع دمشق وواشنطن في رعاية جهد سياسي أفضى لتوافق على خريطة طريق لحل مشكلة السويداء.
التفاهم الأردني السوري حول هذا الملف، شكل رافعة قوية، لتحصين سوريا في مرحلة انتقالية حرجة من انفلات عقد وحدتها الوطنية، إذ كان لانفصال السويداء أن يفتح الباب، لدومينو الإقليات السورية الذي شكل عنوانا للسياسة الإسرائيلية الساعية لتفكيك وحدة البلاد.
الثقة المتبادلة التي ترسخت بين البلدين، مثلت نقطة انطلاق قطار التعاون الثنائي، متحللا من الهواجس والمخاوف التي حكمت العلاقات السورية الأردنية طيلة عقود حكم البعث.
في دمشق انعقدت قبل أشهر اجتماعات الدورة الأولى لمجلس التنسيق الأعلى بين البلدين، رسمت خلاله الخطوط العريضة لأوجه التعاون الثنائي.
ومؤخرا عاد المجلس للانعقاد في عمان بدورة ثانية على أعلى مستوى حكومي، لتدشين ما وصفها البيان الختامي للاجتماع بالشراكة الإستراتيجية بين البلدين.
في الاجتماع المذكور، وقع البلدان عشر اتفاقيات تعاون في مجالات حيوية تخدم مصالح الطرفين، وبرامج عمل قطاعية، تتولى فرق حكومية مشتركة العمل على تطبيقها.
في مجال الطاقة الذي يعد متطلبا ملحا للجانب السوري، عزز البلدان من جهودهما لإنجاز الربط الكهربائي، بعد الانتهاء من إصلاح شبكة الربط الكهربائي على الجانب السوري.
ومن الجدير ذكره، أن الأردن يزود مناطق في جنوبي سوريا بالكهرباء منذ عدة أشهر. كما تم التوقيع في وقت سابق على اتفاقية تزويد الغاز الطبيعي بين الجانبين، والتي دخلت حيز التنفيذ بعد يومين من اجتماعات عمان الأخيرة.
وتناولت اتفاقيات التعاون قطاعات النقل البري والجوي والبحري والسككي. وفي هذا المجال ثمة رؤية إستراتيجية لربط موانئ سورية مع ميناء العقبة، ومن ثم تركيا، لتكون طريقا بديلا للنقل الإقليمي، يقطع الطريق على محاولات إسرائيلية، لربط اقتصاديات المنطقة بمرافقها البحرية.
ولهذا كانت عمان قد استضافت قبل الاجتماع الأردني السوري بأيام قليلة، لقاء ثلاثيا ضم إلى جانب البلدين تركيا، حيث تم التوقيع على اتفاقية تعاون بينها في مجال النقل، تمهيدا لبناء شبكة نقل تخدم الدول الثلاث.
وقد شرع الأردن رسميا ببناء مشروع سككي هو الأول من نوعه، يمثل محطة أولى على طريق بناء شبكة تربط ميناء العقبة بالموانئ السورية والتركية.
إعلان
ومن بين أكثر أشكال التعاون أهمية بالنسبة للأردن، ملف المياه. كان النظام السابق في دمشق قد تجاهل عن عمد حقوق الأردن المائية، المنصوص عليها في اتفاقية عام 1987.
ورغم تشييد سد مشترك بين البلدين فإن الجانب السوري في حينه ظل ممتنعا عن إسالة حصة الأردن من المياه إليه، في وقت يعاني فيه الأردن من نقص فادح بمياه الشرب.
في الاجتماعات المشتركة بين الطرفين، سجل اختراق كبير في هذا الملف، إذا التزم الجانب السوري بتقاسم عادل للمياه بين البلدين، وضمان إدامة الجريان المشترك في حوض اليرموك.
ووفق مصادر رسمية أردنية، تم اقتراح بناء قناة خاصة لتسييل المياه صوب سد الكرامة في الأردن، لتجنب مرورها في مناطق سورية لا تتوفر فيها حاليا ضمانات أمنية كافية لحمايتها من السرقة.
وفي خطوة تؤشر على المستوى المتقدم الذي بلغته علاقات البلدين، تم الاتفاق على عقد أسبوع تفاعل دبلوماسي بين وزارتي الخارجية، يشمل حوارات ولقاءات مباشرة وورشات عمل مشتركة، لتبادل الخبرات وتعزيز التنسيق بين البعثات الدبلوماسية.
يمثل أمن الحدود تحديا كبيرا على الجانبين. الأردن عانى لسنوات طويلة من تجارة المخدرات المدعومة من أجهزة النظام السابق، والتي تجذرت في الجنوب السوري، على يد قوات الفرقة الرابعة في الجيش السوري، والمليشيات المذهبية التابعة لجماعات لبنانية متحالفة مع نظام الأسد.
أخيرا وجد الأردن شريكا موثوقا على الجانب السوري، يعمل معه بشكل وثيق لمواجهة هذا الخطر الذي أقلق دول الإقليم، وأشغل مؤسساتها الأمنية، خاصة أنه تزامن مع نشاط محموم لجماعات إرهابية تفشت في الجسد السوري في العقد الأخير، ومثلت تهديدا خطيرا للأمن الوطني الأردني ولقطاعات واسعة من السوريين المجردين من حماية الدولة في ذلك الوقت.
في الوقت الحالي تعمل فرق أمنية مشتركة على الجانبين بشكل منسق لمحاربة ما كان يعرف بجمهورية الكبتاغون في سوريا، وتتبادل المعلومات على نحو يضمن فاعلية عالية في تتبع تلك الجماعات والقضاء على تجارتها.
مثلما يتعزز التعاون في مكافحة تنظيم الدولة الإرهابي على نحو كبير، بعد انضمام دمشق رسميا للتحالف المناهض للإرهاب. كما فتحت خطوط التنسيق مع الجانب اللبناني الذي عاد بعد تحولات داخلية لممارسة سلطته على المناطق الحدودية مع سوريا.
الإمساك بالجنوب السوري وأمنه، يكتسب بالنسبة للبلدين أهمية إستراتيجية في مواجهة مشروع إسرائيلي معلن لفتح ممر نحو السويداء، وتكريس خرقها اتفاقية فض الاشتباك عام 1974 في إطار مشروعها تحويل سوريا لكانتونات سياسية، وتحويلها لمجال حيوي لأمنها.
يمثل هذا المخطط مساسا خطيرا بالأمن القومي للأردن وسوريا، فرض تنسيقا سياسيا وعملياتيا رفيع المستوى لمواجهته، يصل إلى المواجهة المباشرة إن اقتضى الأمر.
خلاصة القول إن الأردن اكتشف في سوريا شريكا لم يعهده من قبل، مثلما ثبت للحكم الجديد في دمشق أن الأردن جار وشقيق، يقدر حسن الجوار، ويطمع بعلاقات قائمة على المصالح المتبادلة، بلا ضغائن أو مشاريع تهدد أمنه.




