أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: 65 دولاراً لمشاهدة مباراة

تحوّلت متابعة مباريات كأس العالم في عدد من مطاعم ومقاهي وسط بيروت إلى مناسبة تثير كثيراً من علامات الاستفهام، بعدما وصل الحد الأدنى للحجز إلى نحو 65 دولاراً للشخص الواحد، سواء اكتفى بوجبة بسيطة أو لم يطلب سوى مشروب.

وبينما يرى أصحاب هذه المطاعم أن هذه الأسعار تندرج ضمن سياسة تجارية تستهدف فئة محددة من الزبائن، يبرز سؤال أكثر أهمية: أين دور وزارتَي السياحة والاقتصاد في مراقبة الأسعار وحماية المستهلك من أي مبالغة أو استغلال؟

من الطبيعي أن تستفيد المطاعم من المناسبات الرياضية الكبرى التي تستقطب جمهوراً في موسم يُعدّ من أكثر المواسم نشاطاً، لكن الفرق كبير بين تحقيق الربح المشروع وفرض أسعار مرتفعة تجعل حضور مباراة كرة قدم ترفاً لا يقدر عليه إلا أصحاب الدخل المرتفع، في وقت لا يزال معظم اللبنانيين يعانون ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

فالرقم المطروح لا يعكس فقط كلفة وجبة أو مقعد، بل يعكس فلسفة جديدة في التسعير تقوم على استثمار الحدث العالمي إلى أقصى الحدود. وهنا تكمن المشكلة، إذ يصبح الحدث الرياضي مناسبة لتحصيل أرباح استثنائية بعيداً عن أي معايير واضحة أو رقابة فعلية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مدى التزام هذه المؤسسات بقواعد المنافسة العادلة وحقوق المستهلك.

ولا يقتصر الأمر على الجانب المالي، بل يمتد إلى صورة بيروت السياحية نفسها. فالمدينة التي تسعى إلى استعادة مكانتها وجهةً للسياحة العربية والأجنبية تحتاج إلى تعزيز مفهوم الضيافة، لا إلى ترسيخ الانطباع بأن كل مناسبة تتحول إلى فرصة لرفع الأسعار بصورة مبالغ فيها. فالسائح الذي يفاجأ بدفع عشرات الدولارات لمجرد متابعة مباراة قد يغادر بانطباع سلبي، فيما يشعر المواطن اللبناني بأنه أصبح غريباً عن أماكن الترفيه في مدينته.

من هنا، يبرز الدور المطلوب من وزارة الاقتصاد في التحقق من مدى التزام المؤسسات بالإعلان الواضح عن الأسعار، ومنع أي ممارسات قد تندرج ضمن خانة الاستغلال أو التضليل، خصوصاً إذا كانت هناك رسوم إلزامية لا يقابلها مستوى خدمة متناسب. كما أن وزارة السياحة مطالبة بمتابعة هذه الظاهرة، لأنها تمس سمعة القطاع السياحي، وتؤثر في صورة لبنان بوصفه بلداً يسعى إلى جذب الزوار، لا إلى إرهاقهم بالفواتير.

ولا يعني ذلك فرض تسعيرة موحدة على المطاعم، فحرية السوق تبقى مبدأً أساسياً، لكن هذه الحرية لا تعني غياب الضوابط أو ترك المستهلك وحيداً أمام أسعار قد تتجاوز المنطق. فالأسواق الناجحة هي تلك التي تجمع بين المنافسة والشفافية، وتحافظ في الوقت نفسه على التوازن بين حق المستثمر في الربح وحق المواطن في الحصول على خدمة بسعر عادل.

قد تنتهي مباريات كأس العالم، لكن النقاش الذي أثارته أسعار الحجوزات سيبقى حاضراً، لأنه يتجاوز كرة القدم إلى سؤال أكبر يتعلق بكيفية إدارة الاقتصاد السياحي في لبنان. فهل تتحول المناسبات الكبرى إلى فرصة لإنعاش الحركة التجارية ضمن حدود مقبولة، أم تصبح موسماً لفرض أسعار استثنائية تعمّق الفجوة بين المواطنين وأماكن الترفيه، وتضع الجهات الرقابية أمام اختبار حقيقي في حماية المستهلك والحفاظ على صورة لبنان السياحية؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى