أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: هيبة القانون

لم تعد الفوضى المرورية في العاصمة اللبنانية مجرد مشهد يومي يثير امتعاض المواطنين، بل تحولت خلال السنوات الماضية إلى تحدٍّ أمني واجتماعي واقتصادي فرض نفسه على حياة الناس، مع انتشار الدراجات النارية غير القانونية، وازدياد المخالفات التي تهدد سلامة المشاة والسائقين على حد سواء. من هنا، تكتسب الحملة الأمنية الواسعة التي تنفذها الأجهزة المختصة في بيروت، بناءً لتعليمات وزير الداخلية، أهميةً تتجاوز مجرد تنظيم محاضر ضبط أو حجز آليات، لتشكل رسالةً واضحةً بأن مرحلةً جديدةً من فرض القانون قد بدأت.

الأرقام التي سجلتها الحملة خلال فترة قصيرة تعكس حجم المخالفات المتراكمة، كما تكشف، في الوقت نفسه، حجم الفوضى التي كانت تسود شوارع العاصمة. فوجود آلاف المخالفات ومئات الآليات المحجوزة يدل على أن المشكلة ليست في بعض التجاوزات الفردية، بل في ثقافة استسهال مخالفة القانون، سواء عبر قيادة دراجات غير مسجلة، أو السير من دون خوذات، أو تجاوز الإشارات، أو استخدام الأرصفة والاتجاهات المعاكسة، وهي ممارسات باتت تشكل خطراً دائماً على السلامة العامة.

ولا تقتصر أهمية هذه الإجراءات على بعدها المروري فقط، بل تمتد إلى الجانب الأمني أيضاً، فكثير من الدراجات غير المستوفية للشروط القانونية استُخدمت في السابق في عمليات سرقة ونشل وجرائم مختلفة، مستفيدةً من سهولة الحركة وصعوبة التعقب. وبالتالي، فإن تنظيم أوضاع هذه الآليات وضبط المخالف منها يساهم في تعزيز الأمن الوقائي والحد من الجرائم، إلى جانب تحسين الانضباط المروري.

في المقابل، يبقى نجاح هذه الحملة مرتبطاً باستمراريتها وعدم تحولها إلى إجراء موسمي أو ظرفي، فالخبرة اللبنانية أثبتت أن الحملات التي تنطلق بقوة ثم تتراجع تدريجياً تفقد أثرها سريعاً، ويعود المخالفون إلى ممارساتهم السابقة. لذلك، فإن المطلوب هو اعتماد خطة دائمة تشمل الرقابة اليومية، وتفعيل استخدام الوسائل التقنية، وتطوير آليات المراقبة الإلكترونية، بما يضمن استدامة النتائج.

كما أن المسؤولية لا تقع على الأجهزة الأمنية وحدها، بل تشمل المواطنين أيضاً، فالالتزام بالقانون ليس استجابةً للخوف من المخالفة أو العقوبة، وإنما هو مساهمة مباشرة في حماية الأرواح والممتلكات. فكل سائق يلتزم قواعد السير يخفف احتمال وقوع حادث قد يودي بحياته أو بحياة الآخرين.

لا شك إن إعادة الانضباط إلى شوارع بيروت ليست مهمةً مستحيلةً، لكنها تتطلب إرادةً رسميةً ثابتةً وتعاوناً مجتمعياً واسعاً. وإذا استمرت حملات ضبط المخالفات بالزخم نفسه، وترافقت مع حملات توعية وتطوير للبنية التحتية المرورية، فإن العاصمة ستكون أمام فرصة حقيقية لاستعادة جزء من النظام الذي افتقدته طويلاً، وتحويل احترام القانون من استثناء إلى قاعدة راسخة في الحياة اليومية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى