أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: هل يتحول النزوح إلى انفجار؟

في بلدٍ يعيش حالةً من عدم الاستقرار السياسي كلبنان، لا تتحول الأزمات إلى أرقام فقط، بل إلى وقائع سياسية واجتماعية قابلة للاشتعال في أي لحظة. ومع تفاقم أزمة النزوح الداخلي الناتجة عن الحرب مع إسرائيل، يبرز سؤال مقلق: هل يبقى النزوح أزمةً إنسانية، أم ينزلق تدريجياً نحو كباشٍ داخلي يعيد إنتاج الصراعات التي اعتقدنا أنها رحلت من دون عودة؟

الأرقام وحدها كفيلة بإثارة القلق، فمئات آلاف اللبنانيين أُجبروا على ترك منازلهم خلال فترة زمنية قصيرة، في ظل تصعيد عسكري واسع النطاق. هذا النزوح الكثيف، الذي يتم بمعظمه داخل الأراضي اللبنانية، يضع ضغطاً هائلاً على بنيةٍ تحتيةٍ منهكةٍ أصلاً بفعل الانهيار الاقتصادي المستمر منذ سنوات.

غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الأعباء المعيشية، بل في التحولات الاجتماعية التي يفرضها هذا النزوح. فالمناطق المضيفة، خصوصاً في بيروت وجبل لبنان والشمال، بدأت تشهد اكتظاظاً غير مسبوق، مع تزايد الطلب على الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه واستشفاء وتعليم. ومع تراجع قدرة الدولة على الاستجابة، تتسلل التوترات بصمت إلى العلاقات بين النازحين والمجتمعات المضيفة.

في هذا السياق، يصبح النزوح عاملاً ضاغطاً على التركيبة اللبنانية الحساسة، إذ إن إعادة توزيع السكان بشكل مفاجئ وكثيف بين المناطق تحمل في طياتها أبعاداً تتجاوز البعد الإنساني إلى البعد الطائفي والسياسي، خصوصاً في بلد تحكمه توازنات دقيقة. ومع غياب إدارة حكومية فعالة للأزمة، تتحول المبادرات الفردية أو الحزبية إلى بدائل، ما يعزز الانقسام بدل أن يحتويه.

والأخطر من ذلك هو الخطاب الذي بدأ يتشكل في بعض البيئات، حيث يُنظر إلى النزوح لا كأزمة وطنية جامعة، بل كعبء يُلقى على كاهل فئة دون أخرى. وهذا التحول في النظرة، إذا ما ترافق مع التحريض أو الاستغلال السياسي، قد يفتح الباب أمام احتكاكات موضعية قابلة للتوسع، خاصةً في ظل الاحتقان الاقتصادي الحاد. وقد رأينا مثالاً على ذلك ما جرى بالأمس حول منطقة الكرنتينا، والخوف من أن تتحول إلى مكانٍ دائمٍ للنازحين.

ولا يمكن فصل ما حصل عن السياق الأوسع. فلبنان اليوم ليس فقط أمام أزمة نزوح، بل أمام تقاطع أزمات: حرب مفتوحة، انهيار اقتصادي، شلل سياسي، وتراجع في الثقة بالمؤسسات. هذا التداخل يجعل من أي ضغط إضافي، كالنزوح، عاملاً مضاعفاً للخطر، وليس مجرد أزمة عابرة.

لكن مع ذلك، لا يبدو أن الانزلاق إلى صراع داخلي حتمي. فالتجربة اللبنانية، رغم قسوتها، أظهرت قدرةً نسبيةً على امتصاص الصدمات، خصوصاً عندما يتقدم الوعي بخطورة الانقسام على ما عداه. لكن هذه القدرة تبقى مشروطة بوجود حد أدنى من الإدارة السياسية للأزمة، وبخطابٍ مسؤولٍ يرفض تحويل النازحين إلى مادة للانقسام.

نخلص لنقول: إن لبنان اليوم عند مفترقٍ دقيق: إما أن يُدار النزوح كأزمة تضامن وطني، أو يُترك ليتحول تدريجياً إلى شرارة توتر داخلي.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى