افتتاحية اليوم: هل توسّع واشنطن العقوبات؟

يبدو أن ملف العقوبات الأمريكية سيعود إلى واجهة المشهد اللبناني من جديد، مع تصاعد الحديث في الأوساط السياسية والإعلامية عن وجود لوائح جديدة قد تطال قضاةً وضباطًا ومسؤولين رسميين، في سياق ضغوط متزايدة تمارسها واشنطن على الدولة اللبنانية. ورغم أن هذه الأحاديث اكتسبت زخمًا خلال الأسابيع الأخيرة، فإنها لا تزال تفتقر إلى أي تأكيد رسمي، ما يجعلها أقرب إلى التسريبات والتحليلات منها إلى الوقائع الثابتة.
لكن مجرد تداول هذه السيناريوهات يكشف حجم القلق الذي يسود المؤسسات اللبنانية، ويعكس اقتناعًا متناميًا بأن العقوبات لم تعد أداةً تستهدف أفرادًا بعينهم، بقدر ما أصبحت وسيلة ضغط سياسي لإعادة رسم موازين القوى داخل الدولة ومؤسساتها.
في السنوات الماضية، اعتادت العقوبات الأمريكية أن تركز على شخصيات سياسية، ورجال أعمال، وشبكات مالية متهمة بتمويل “حزب الله” أو الالتفاف على العقوبات الدولية. إلا أن استهداف مسؤولين أمنيين في مراحل لاحقة فتح الباب أمام قراءة مختلفة، مفادها أن واشنطن باتت أكثر استعدادًا للوصول إلى داخل المؤسسات الرسمية إذا اعتبرت أن بعض المسؤولين يعرقلون أهدافها السياسية أو الأمنية.
من هنا، بدأ الحديث عن احتمال انتقال العقوبات إلى السلطة القضائية أو إلى مسؤولين أمنيين إضافيين. إلا أن هذا الاحتمال، مهما بدا قابلًا للنقاش، لا يعني بالضرورة أنه أصبح قرارًا جاهزًا للتنفيذ. فالعقوبات الأمريكية تخضع عادةً لمسار قانوني وإداري معقد، وتسبقها تحقيقات، وجمع معطيات، وتقييمات سياسية، كما أن الإعلان عنها يتم حصرًا عبر وزارة الخزانة الأمريكية أو الجهات الرسمية المختصة.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن مجرد تسريب معلومات عن “لوائح جاهزة” يحقق، بحد ذاته، أثرًا سياسيًا ونفسيًا، حتى لو لم تصدر أي قرارات لاحقة. فالرسالة تصل سريعًا إلى المسؤولين والإدارات والمؤسسات المالية، وتدفع كثيرين إلى إعادة حساباتهم، خشية الوقوع تحت طائلة أي إجراءات مستقبلية.
ويذهب بعض المراقبين إلى اعتبار أن سياسة “الغموض المدروس” أصبحت جزءًا من أدوات الضغط الأمريكية، إذ تترك التسريبات المجال واسعًا أمام التكهنات، بما يخلق حالةً من الترقب وعدم اليقين داخل مؤسسات الدولة. وفي المقابل، يرى آخرون أن كثرة الشائعات تعكس أيضًا حجم الانقسام الداخلي، حيث تتحول العقوبات إلى مادة للاستخدام السياسي المتبادل بين الخصوم.
وفي جميع الأحوال، يبقى الفارق كبيرًا بين ما يُتداول في الكواليس وما يصدر في البيانات الرسمية. فالتاريخ القريب يثبت أن العديد من الأسماء التي جرى تداولها إعلاميًا لم تُدرج لاحقًا على أي قوائم عقوبات، فيما ظهرت أسماء أخرى لم تكن في الحسبان، ولم تكن متوقعة إطلاقًا.
لذلك، فإن التعامل مع هذا الملف يتطلب قدرًا كبيرًا من الحذر، بعيدًا عن التهويل أو التقليل من شأنه. فالعقوبات الأمريكية أصبحت بالفعل أحد أبرز أدوات التأثير في الساحة اللبنانية، إلا أن أي حديث عن قوائم وشيكة تستهدف قضاةً أو ضباطًا، بحسب اعتقاد مصادر أمنية، يبقى حتى اللحظة في إطار التوقعات والتحليلات السياسية، ما لم يصدر إعلان رسمي يؤكد ذلك.
ومن هنا، فإن المرحلة الراهنة تبدو أقرب إلى اختبار للأعصاب منها إلى إعلان عن مواجهة جديدة، حيث يتداخل الضغط السياسي مع الحرب النفسية، فيما يبقى القرار النهائي حكرًا على المؤسسات الأمريكية المختصة، لا على التسريبات المتداولة في الكواليس.




