افتتاحية اليوم: مفاوضات واشنطن بين مسارين متناقضين

دخلت المفاوضات في واشنطن بين لبنان وإسرائيل مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد، في ظل اتساع الهوة السياسية والأمنية بين الطرفين، وارتفاع سقوف الشروط المتبادلة إلى مستويات تجعل الوصول إلى تفاهم سريع أمراً بالغ التعقيد. فلبنان توجّه إلى طاولة التفاوض وهو يحمل أولوية واضحة تتمثل بوقف الحرب، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، ووقف عمليات التدمير والاستهداف، فيما تتمسك إسرائيل بمقاربة مختلفة كلياً، تعتبر أن أي تهدئة دائمة أو انسحاب واسع لا يمكن أن يتحققا قبل وضع مسار عملي وحاسم يتعلق بسلاح حزب الله ودوره العسكري جنوب الليطاني وشماله.
هذا التناقض لا يعكس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل يكشف صراعاً عميقاً حول شكل المرحلة المقبلة في الجنوب اللبناني، وحول طبيعة التوازنات الأمنية التي ستنشأ بعد الحرب. فالدولة اللبنانية تنطلق من مبدأ أن استمرار العمليات العسكرية والتوغلات الإسرائيلية وعمليات القصف يفاقم الانهيار الداخلي ويهدد الاستقرار الهش في البلاد، ولذلك تعتبر أن الأولوية يجب أن تكون لوقف النار أولاً، ثم الانتقال لاحقاً إلى البحث في الملفات الخلافية الأخرى ضمن إطار سياسي وأمني أوسع.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى الحرب باعتبارها فرصة لإحداث تغيير جذري في الواقع الأمني القائم منذ سنوات على الحدود الشمالية، ولذلك فهي لا تريد العودة إلى ما كان قائماً قبل المواجهة الأخيرة، بل تسعى إلى فرض معادلة جديدة تقلّص حضور حزب الله العسكري، وتحدّ من قدراته الصاروخية وتحركاته الميدانية، سواء جنوب الليطاني أو حتى في مناطق أخرى تعتبرها مرتبطة مباشرة بجبهة المواجهة.
وتدرك تل أبيب أن أي انسحاب من دون ضمانات أمنية صارمة سيُفسَّر داخلياً على أنه تراجع مجاني، خصوصاً بعد الكلفة السياسية والعسكرية الكبيرة التي دفعتها خلال الأشهر الماضية. لذلك تبدو متمسكة بربط أي اتفاق بتشدد أكبر في تنفيذ القرارات الدولية، إضافة إلى دور أكثر فاعلية للجيش اللبناني.
أما لبنان، فيجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فمن جهة، هو يريد وقف الحرب بأسرع وقت ممكن لتخفيف الخسائر البشرية والاقتصادية، وإعادة النازحين إلى قراهم، ومن جهة أخرى يدرك أن ملف سلاح حزب الله ليس تفصيلاً يمكن حسمه بسهولة على طاولة مفاوضات خارجية، لأنه يرتبط بتوازنات داخلية دقيقة، وبالصراع الإقليمي الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
لذلك تبدو واشنطن أمام مهمة صعبة تتمثل بمحاولة إيجاد نقطة تقاطع بين مطلبين متناقضين: مطلب لبناني يقوم على أولوية وقف الحرب والانسحاب أولاً، ومطلب إسرائيلي يعتبر أن الأمن يبدأ من معالجة بنية حزب الله العسكرية. وبين هذين الشرطين، تبدو فرص التسوية مرتبطة بقدرة الوسيط الأميركي على إنتاج صيغة مرحلية تحفظ ماء وجه الطرفين، وتمنع انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة لا تُعرف نهايتها.



