أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: لبنان يفتقر إلى موقف موحد من التفاوض

لم يكن تعثر اللقاء الرئاسي الثلاثي حدثًا عابرًا في مسار الأزمة اللبنانية، بل عكس بصورة واضحة عمق التباينات داخل السلطة حيال مقاربة الملفات الحساسة، وفي مقدمتها التفاوض المرتبط بالوضع الأمني والسياسي. فبدل أن يشكّل هذا اللقاء منصة لتوحيد الرؤية، بدا وكأنه محطة إضافية تؤكد أن لبنان لا يزال يفتقر إلى موقف موحد قادر على الصمود أمام الضغوط الخارجية والتحديات الداخلية.

في الشكل، يوحي غياب التفاهم بين الرؤساء الثلاثة بأن الخلاف لم يعد تقنيًا أو ظرفيًا، بل بات بنيويًا يتصل بتباين في الأولويات والرهانات. فكل طرف ينظر إلى التفاوض من زاوية مختلفة: فريق يضع الاعتبارات السيادية في المقدمة، وآخر يوازن بين الضغوط الدولية ومتطلبات الاستقرار، فيما ينطلق طرف ثالث من حسابات سياسية داخلية لا تنفصل عن توازنات السلطة. هذا التعدد في المقاربات ينعكس ارتباكًا في صياغة موقف تفاوضي واضح، ويضعف القدرة على فرض شروط أو حتى تحسينها.

أما في المضمون، فإن غياب الموقف الموحد يطرح إشكالية أكبر تتعلق بفعالية الدولة نفسها. فالتفاوض، في أي سياق، يحتاج إلى مرجعية واضحة وخطاب متماسك، وهو ما يبدو مفقودًا في لبنان، إذ كيف يمكن لأي جهة خارجية أن تأخذ الموقف اللبناني على محمل الجد، في ظل تعدد القنوات وتضارب الرسائل؟ وكيف يمكن تحقيق مكاسب تفاوضية في ظل غياب الحد الأدنى من الانسجام الداخلي؟

المفارقة أن اللحظة الراهنة تفرض، أكثر من أي وقت مضى، توحيد الموقف، لا سيما في ظل تصاعد المخاطر العسكرية والضغوط الاقتصادية الخانقة. فلبنان يقف عند تقاطع حساس، حيث تتداخل الحسابات الإقليمية مع هشاشة الوضع الداخلي، ما يجعل أي خطأ في إدارة التفاوض مكلفًا على مستوى الاستقرار الوطني. ومع ذلك، يبدو أن القوى السياسية لم تنجح بعد في ترجمة هذا الإدراك إلى خطوات عملية.

لكن رغم كل شيء، فإن تعثر اللقاء الثلاثي الذي كان مقررًا في قصر بعبدا لا يعني بالضرورة استحالة الوصول إلى تفاهم، لكنه يكشف أن الطريق لا يزال طويلًا أمام بلورة رؤية مشتركة. ولذلك، المطلوب ليس مجرد اتفاق ظرفي على نقاط محددة، بل صياغة استراتيجية تفاوضية متكاملة تنطلق من تعريف واضح للمصالح الوطنية، وتلتزم بها مختلف الأطراف دون استثناء.

حيال ما تقدم، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يملك لبنان القدرة على الانتقال من تعددية المواقف إلى وحدة القرار؟ الإجابة لا ترتبط فقط بإرادة سياسية آنية، بل بمدى استعداد القوى المعنية لتقديم تنازلات متبادلة ووضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة. وحتى يتحقق ذلك، سيبقى التفاوض اللبناني محكومًا بهشاشة الداخل، مهما تبدلت الظروف الخارجية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى