أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: حرية الصحافة في مرمى النار

لم يعد الثالث من أيار مجرد مناسبة احتفالية عابرة، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى محطة تأمل مقلقة في واقع حرية الصحافة عالميًا. ففي الوقت الذي يُفترض أن يكون هذا اليوم (أمس) تكريسًا لقيم التعبير الحر وحماية الصحافيين، تأتي المؤشرات الراهنة لتكشف تراجعًا حادًا وغير مسبوق منذ أكثر من عقد، في ظل مناخ دولي يتسم بتصاعد القيود وتآكل المساحات الديمقراطية، حيث تشير الوقائع إلى أن حرية الإعلام باتت تواجه ضغوطًا كثيرة، تبدأ من التشريعات المقيّدة التي تُفصّل أحيانًا على قياس إسكات الأصوات الناقدة، ولا تنتهي عند حملات التضليل والتشهير التي تستهدف الصحافيين والمؤسسات الإعلامية. وبين هذين الحدّين، تتوسع دائرة الرقابة، سواء كانت رسمية أو غير مباشرة، عبر أدوات اقتصادية أو تكنولوجية تفرض واقعًا جديدًا على العمل الصحافي.

وفي مناطق الحروب، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ تحوّل الصحافي في هذه المناطق إلى هدف مباشر، حيث لا تُحترم القوانين الدولية ولا تُراعى الحصانات المهنية. فعمليات الاستهداف، سواء بالقصف أو الاعتقال أو التضييق، كما يحصل في لبنان وفي غزة، أصبحت جزءًا من مشهد يومي يعكس حجم المخاطر التي يواجهها العاملون في نقل الحقيقة. وفي هذا السياق، لم يعد الخطر مقتصرًا على الجبهات التقليدية، بل يتعرض الصحافيون لحملات ترهيب منظمة وتهديدات مستمرة.

إلى جانب ذلك، تعاني المؤسسات الإعلامية من أزمات خانقة نتيجة تراجع الإيرادات وتحولات السوق الرقمية، ما يجعلها أكثر عرضة للضغوط السياسية والمالية. وهذا الواقع يفرض تحديات إضافية على استقلالية القرار التحريري، ويهدد استمرارية العديد من المنصات الإعلامية، خصوصًا في الدول النامية.

لكن، ورغم هذا المشهد القاتم، لا تزال هناك محاولات لمقاومة هذا الانحدار، منها مبادرات حماية الصحافيين، وتعزيز التشريعات الداعمة لحرية التعبير، وتطوير نماذج إعلامية مستقلة. كل هذا يشكّل بارقة أمل في مواجهة هذا التراجع. غير أن هذه الجهود تبقى محدودة ما لم تتوافر إرادة سياسية دولية حقيقية تضع حرية الصحافة في صلب الأولويات.

انطلاقًا مما تقدم، يعكس واقع اليوم العالمي لحرية الصحافة هذا العام أزمة عميقة تتجاوز حدود الإعلام لتطال جوهر النظام الديمقراطي نفسه. فحين تُقيَّد الكلمة الحرة، يُفتح الباب واسعًا أمام تغييب الحقيقة، ومعها تتراجع قدرة المجتمعات على مساءلة السلطة وصون حقوقها. ولذلك، تبدو المعركة من أجل حرية الصحافة اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، باعتبارها معركة من أجل الحقيقة أولًا، ومن أجل المستقبل ثانيًا.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى