أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: لبنان على رصيف الانتظار

يقف لبنان اليوم على رصيف المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، لا لاعباً ولا شريكاً، بل دولة تتأرجح مصائرها بين جولات شدّ الحبال الإقليمية، وتدفع أثماناً مسبقة لأي تسوية لم تولد بعد. ففي لحظة إقليمية دقيقة، يتكرّس لبنان مرة جديدة كساحة انتظار، تتجمد فيها القرارات الكبرى ريثما تتضح وجهة الرياح بين واشنطن وطهران.
المفاوضات الأميركية–الإيرانية، سواء اتخذت طابعاً مباشراً أو جرت عبر وسطاء، لم تعد شأناً ثنائياً، فهي باتت مرآة تنعكس عليها ملفات المنطقة برمتها، من اليمن إلى العراق، ومن سوريا إلى لبنان.
وفي هذا السياق، يظهر لبنان كأحد أكثر الساحات هشاشة، نظراً لتداخل وضعه الداخلي مع التوازنات الإقليمية، وارتباط ملفه السياسي والأمني والاقتصادي بما يتجاوز حدوده.
هذا الانتظار اللبناني ليس تفصيلاً عابراً، بل حالة شبه دائمة، فكل استحقاق داخلي كبير، من انتخاب رئيس للجمهورية إلى تشكيل حكومة أو معالجة أزمة مالية خانقة، يُربط ضمناً بسقف إقليمي غير معلن، لأن البلد يدار بعقلية «تعليق الملفات»، حيث لا حسم ولا مبادرة، بل ترقّب لما ستؤول إليه المفاوضات الكبرى، وكأن القرار الوطني مؤجّل إلى إشعار خارجي.
وفي المقابل، تدرك القوى الدولية أن لبنان لا يحتمل صدمات إضافية، لكنها في الوقت نفسه تتعامل معه كملف تابع لا كأولوية مستقلة، فاستقرار لبنان يُنظر إليه كوظيفة، لا كغاية: وظيفة مرتبطة بعدم انفجار الجبهة الجنوبية، وبضبط إيقاع التوتر مع إسرائيل، وبمنع انزلاق شامل يربك المنطقة في توقيت غير مناسب للمفاوضات.
أما داخلياً، فينعكس هذا الانتظار شللاً سياسياً شبه كامل، فالقوى السياسية، على اختلاف مواقعها، تتصرف بمنطق التحوّط لا المبادرة. البعض ينتظر مكاسب محتملة من أي تسوية، والبعض الآخر يخشى خسائر محتملة، فيما يدفع المواطن اللبناني ثمن هذا الجمود، اقتصادياً ومعيشياً واجتماعياً. فالانهيار مستمر، لكن القرار معلّق، والإصلاح مؤجّل، وكأن الزمن في لبنان لا يُقاس بالأيام بل بجولات التفاوض الخارجية.
وهنا لا يمكن فصل هذا المشهد عن الدور الإسرائيلي، الذي يراقب المفاوضات بقلق وحذر، ويحاول في الوقت نفسه تحسين شروطه عبر الضغط الميداني أو السياسي. فلبنان، من وجهة النظر الإسرائيلية، ورقة ضغط محتملة، أو ساحة رسائل، ما يزيد من حساسية موقعه في أي تفاهم أميركي ـ إيراني مقبل.
والخطير في هذا الواقع أن لبنان لا ينتظر فقط نتائج المفاوضات، بل ينتظر أيضاً تعريف دوره فيها. هل سيكون جزءاً من سلة تسويات؟ أم مجرد بند جانبي يُعالَج لاحقاً؟ أم ورقة مؤجلة تُستخدم عند الحاجة؟ هذا الغموض بحد ذاته عنصر عدم استقرار، لأنه يمنع بناء أي رؤية وطنية واضحة للمستقبل.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى