خاصأبرزرأي

جنوب الليطاني… معركة الحزام الأمني

حسين زلغوط – خاص «رأي سياسي»:

تتزايد في الساعات الماضية المؤشرات إلى أن إسرائيل أخذت فعلياً خيار التوغل العسكري في المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، في خطوة قد تشكّل تحولاً خطيراً في مسار المواجهة الدائرة على الحدود اللبنانية. هذا التوغل، الذي يبدو أنه يحظى بغطاء سياسي أميركي، يفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول أهدافه الحقيقية وحجم المخاطر التي قد تترتب عليه، خصوصاً إذا كان مرتبطاً بمسعى إسرائيلي لإعادة رسم معادلة الأمن في مستوطنات الشمال.

من الناحية العسكرية، تدرك إسرائيل أن الجبهة الشمالية تشكّل التهديد الأكثر حساسية لأمنها الداخلي، فالمستوطنات المنتشرة في الجليل الأعلى ظلّت طوال السنوات الماضية عرضة للتوترات الحدودية ولخطر الصواريخ، الأمر الذي دفع آلاف المستوطنين إلى مغادرتها في أوقات التصعيد. لذلك يبدو أن تل أبيب تسعى إلى تحقيق هدف استراتيجي واضح، ألا وهو إبعاد مصادر التهديد إلى مسافة آمنة عن حدودها، بحيث يصبح نهر الليطاني بمثابة خط فاصل يمنع اقتراب أي قوة مسلحة من الشريط الحدودي وتهديد أمن المستوطنات.

من هنا يبرز الحديث عن محاولة فرض منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية تمتد عدة كيلومترات شمال الحدود. وهذه الفكرة ليست جديدة في التفكير العسكري الإسرائيلي، بل تعود إلى تجربة الحزام الأمني الذي أقامته إسرائيل في جنوب لبنان خلال سنوات طويلة قبل انسحابها عام 2000. غير أن الظروف الحالية تختلف إلى حد كبير، سواء من حيث طبيعة القوى الموجودة على الأرض أو من حيث التوازنات الإقليمية التي تحكم الصراع.

والمشكلة الأساسية في أي توغل إسرائيلي جنوب الليطاني تكمن في أن هذا الخيار قد يتحول سريعاً من عملية محدودة إلى مواجهة واسعة النطاق، فالمنطقة الجنوبية ليست مجرد مساحة جغرافية يمكن السيطرة عليها بسهولة، بل هي ساحة معقدة من الناحية العسكرية والسياسية. وقد أثبتت التجارب السابقة أن أي محاولة لفرض واقع أمني بالقوة غالباً ما تتحول إلى استنزاف طويل الأمد.

إضافة إلى ذلك، فإن الربط بين التوغل العسكري وأمن المستوطنات الشمالية يعكس إقراراً إسرائيلياً بأن الحرب الحالية لم تحقق بعد الهدف الأساسي المتمثل في إعادة الاستقرار إلى الجليل. فعودة المستوطنين إلى بلداتهم تبقى مرتبطة بضمانات أمنية حقيقية، وهو ما تحاول تل أبيب تحقيقه عبر تغيير قواعد الاشتباك على الحدود.

لكن هذه المقاربة تحمل في طياتها مخاطر كبيرة، فالتقدم العسكري داخل الأراضي اللبنانية قد يؤدي إلى تصعيد واسع يفتح الباب أمام حرب برية طويلة، خصوصاً وأن القوات الإسرائيلية ستواجه حُكماً مقاومة قوية وشرسة. كما أن أي محاولة لفرض منطقة عازلة بالقوة قد تعيد إنتاج تجربة الاحتلال السابقة بكل ما حملته من توترات وصدامات استمرت سنوات طويلة.

إلى جانب المخاطر العسكرية، هناك أيضاً تداعيات إنسانية وسياسية لا تقل خطورة، فالتوغل في مناطق مأهولة جنوب الليطاني سيؤدي حتماً إلى موجات نزوح جديدة وواسعة، وتدمير إضافي للبنية التحتية، في وقت يعاني فيه الجنوب أصلاً من عملية تدمير ممنهجة.

انطلاقاً مما تقدم، يبدو أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق معادلة جديدة قوامها أمن المستوطنات مقابل إبعاد الخطر إلى عمق الأراضي اللبنانية. غير أن تحقيق هذه المعادلة بالقوة العسكرية يبقى محفوفاً بالمخاطر، لأن الجنوب اللبناني لطالما كان أرضاً صعبة على أي قوة تحاول فرض سيطرة دائمة عليه.

ولهذا فإن أي توغل جنوب الليطاني لن يكون مجرد خطوة ميدانية عابرة، بل قد يشكّل بداية مرحلة أكثر خطورة في الصراع، مرحلة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع التعقيدات السياسية والإقليمية، ما يجعل مستقبل الحدود اللبنانية–الإسرائيلية مفتوحاً على احتمالات شديدة الخطورة والتعقيد.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى