افتتاحية اليوم: قمة روحية لكسر التوتر

في ظل تصاعد منسوب التوتر الداخلي في لبنان، على خلفيات سياسية وأمنية ومذهبية متشابكة، تتجه الأنظار إلى تحضيرات جارية لعقد قمة روحية تجمع المرجعيات الدينية الأساسية، في محاولة لاحتواء الاحتقان ومنع انزلاق البلاد نحو مزيد من الانقسام.
هذه المبادرة، التي كشف عنها نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أمس، تأتي في توقيت دقيق، وتعكس إدراكاً متنامياً لدى القيادات الروحية بخطورة المرحلة، وضرورة استعادة دورها كصمام أمان في لحظات التأزم.
لطالما شكّل التنوع الديني في لبنان عنصر غنى، لكنه في المقابل كان عرضة للتوظيف السياسي الذي حوّل الاختلاف إلى مادة للتوتر. من هنا، تبرز أهمية القمة المرتقبة بوصفها مساحة جامعة تتجاوز الاصطفافات، وتعيد التأكيد على الثوابت الوطنية المشتركة، وفي مقدّمها السلم الأهلي ورفض الفتنة. فالمؤسسات الدينية، رغم ابتعادها الظاهري عن الشأن السياسي، تمتلك تأثيراً عميقاً في المزاج الشعبي، ما يمنحها القدرة على تهدئة النفوس وضبط الإيقاع الداخلي.
والتحضيرات لهذه القمة لا تقتصر على الجوانب البروتوكولية، بل تترافق مع مشاورات مكثفة لتوحيد الخطاب والخروج بموقف واضح يضع حداً للتصعيد الإعلامي والسياسي. ومن المتوقع، في حال نجحت المساعي لعقدها، أن تتناول القمة جملة من الملفات الحساسة، أبرزها خطاب الكراهية، والانقسام السياسي الحاد، وتداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان، والسلاح.
كما يُنتظر أن تشدد على ضرورة تحييد المؤسسات الدينية عن التجاذبات، والدعوة إلى اعتماد لغة الحوار بدلاً من التصعيد.
غير أن نجاح هذه القمة لا يُقاس فقط بما ستصدره من بيانات، بل بقدرتها على إحداث صدى فعلي في الشارع اللبناني. فالتحدي الأكبر يكمن في ترجمة النوايا إلى سلوكيات، وفي التزام القوى السياسية بمندرجات التهدئة التي قد تدعو إليها المرجعيات الروحية. وهنا يبرز السؤال حول مدى استعداد الأطراف المختلفة للتجاوب مع هذه المبادرة، في ظل تشابك المصالح وتضارب الحسابات.
في المقابل، يعوّل كثيرون على الرمزية التي ستحملها هذه القمة، إذ إن اجتماع القيادات الروحية في حد ذاته يبعث برسالة طمأنة إلى اللبنانيين، مفادها أن هناك من يسعى إلى حماية ما تبقى من استقرار. كما أن هذا اللقاء قد يشكل أرضية لإطلاق مسار أوسع من التهدئة، يُستكمل بمبادرات سياسية لاحقة تعالج جذور الأزمة.
فلبنان، الذي أنهكته الأزمات المتلاحقة، يحتاج اليوم إلى أكثر من مجرد مواقف، بل إلى إرادة جامعة تعيد ترميم الثقة بين مكوناته. وفي هذا السياق، قد تشكل القمة الروحية خطوة أولى على طريق طويل، عنوانه إعادة الاعتبار لمنطق الدولة والحوار، في مواجهة منطق الانقسام والتصعيد.




