أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: قلق دولي على لبنان

عاد التحذير الدولي من خطورة الوضع اللبناني إلى الواجهة، مع الكلام عن أن لبنان يمرّ بمرحلة شديدة الحساسية تهدد وحدته الداخلية وسلامة أراضيه، في لحظة إقليمية تبدو فيها المنطقة بأسرها مفتوحة على احتمالات التصعيد والتسويات في آنٍ واحد. هذا التحذير، الذي جاء على لسان الموفد الخاص للرئيس الفرنسي إلى لبنان جان إيف لودريان عبر قناة “بي إف إم تي في” وإذاعة “آر إم سي” الفرنسيتين، حيث رأى أن “لبنان في وضع خطير على صعيد وحدته وسلامة أراضيه”، لا يمكن قراءته بوصفه موقفًا دبلوماسيًا عابرًا، بل يعكس حجم القلق المتنامي من وصول لبنان إلى مرحلة الانكشاف الكامل سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، في ظل عجز داخلي عن إنتاج حلول فعلية للأزمات المتراكمة.

فلبنان يبدو اليوم أمام مشهد بالغ التعقيد، حيث تتداخل الضغوط العسكرية في الجنوب مع الانقسام السياسي الداخلي، ما يجعل الدولة اللبنانية في موقع هشّ، غير قادر على تحمّل أي اهتزاز إضافي.

وفيما تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية والتهديدات المتبادلة، يتزايد الخوف من أن يتحول الجنوب إلى ساحة استنزاف طويلة، تنعكس تداعياتها على مجمل الواقع اللبناني، وخصوصًا على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. ويكمن الخطر الأكبر في أن الأزمة الحالية لم تعد محصورة بالشق الأمني فقط، بل باتت تمسّ جوهر الكيان اللبناني نفسه. فالتعثر السياسي المستمر، وغياب التوافق الداخلي، والشلل الذي يصيب المؤسسات، كلها عوامل تفتح الباب أمام مزيد من التصدع الداخلي، كما أن استمرار الفراغ أو ضعف القرار المركزي يمنح الخارج قدرة أكبر على التأثير في المشهد اللبناني وربطه مباشرة بمسارات الصراع الإقليمي.

وفي موازاة ذلك، تبدو المخاوف الاقتصادية أكثر حضورًا من أي وقت مضى. فلبنان، الذي كان يعوّل على موسم الصيف لتحريك عجلة الاقتصاد واستقطاب المغتربين والسياح، بات مهددًا بخسارة واحدة من الفرص القليلة المتبقية لتخفيف حدة الانهيار. ومع كل تصعيد أمني أو توتر سياسي، تتراجع الثقة الخارجية بالبلد، وتتقلص فرص الاستثمار والمساعدات، فيما يزداد الضغط على اللبنانيين الذين يعيشون أساسًا تحت وطأة أزمة معيشية خانقة.

غير أن الرسائل الدولية المتكررة، وآخرها ما حذر منه لودريان، تحمل دعوة واضحة للبنانيين من أجل الإسراع في إعادة ترتيب أوضاعهم الداخلية، والذهاب نحو تسوية سياسية تضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الفئوية والمحاور الخارجية. فالمجتمع الدولي يدرك أن أي انفجار واسع في لبنان لن يبقى ضمن حدوده، بل ستكون له تداعيات على المنطقة بأسرها، ولذلك يتزايد الضغط لمنع الانهيار الكامل قبل فوات الأوان.

وفي ظل هذه الصورة القاتمة، يقف لبنان أمام مفترق بالغ الخطورة: إما الاستفادة من اللحظة الدولية والإقليمية لإعادة بناء الدولة واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار، وإما البقاء رهينة التجاذبات والحروب المفتوحة، بما يهدد وحدة البلاد ومستقبلها السياسي والاقتصادي معًا.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى