لبنان بين حسابات طهران واحتمالات الحرب: هل يفتح حزب الله جبهة جديدة مع إسرائيل؟

خاص موقع ” رأي سياسي”:
لم يعد احتمال اندلاع مواجهة جديدة بين حزب الله وإسرائيل مجرد تقدير افتراضي مرتبط بالتوتر الأميركي الإيراني، بل أصبح أحد أبرز الملفات التي تثير القلق في لبنان والمنطقة. فمع استمرار التوتر بين واشنطن وطهران، وتزايد الحديث عن احتمال استئناف العمليات العسكرية، يجد لبنان نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: هل يمكن أن يتحول مجدداً إلى ساحة مواجهة إذا قررت الولايات المتحدة وإسرائيل توجيه ضربة عسكرية جديدة إلى إيران؟
من الناحية السياسية والعسكرية، لا يمكن استبعاد دخول حزب الله في أي مواجهة إقليمية مقبلة، لكن الاعتقاد بأنه سيتحرك تلقائياً بمجرد تعرض إيران لهجوم سيكون تبسيطاً للواقع. فالحزب يدرك أن الظروف التي تحكم قراره اليوم تختلف عن المراحل السابقة، سواء من حيث قدراته العسكرية، أو وضعه الداخلي، أو حجم الضغوط التي يتعرض لها لبنان.
والتجربة الأخيرة تقدم مؤشراً مهماً في هذا الاتجاه. فعندما بدأت المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران في شباط الماضي، دخل حزب الله على خط القتال في آذار، عقب مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي. وقد أظهر ذلك أن طبيعة الحدث وأهميته بالنسبة إلى القيادة الإيرانية يمكن أن تؤثرا بصورة مباشرة في قرار الحزب. إلا أن هذه التجربة لا تعني أن كل ضربة جديدة لإيران ستؤدي بالضرورة إلى تكرار المشهد نفسه.
المسألة الأساسية تكمن في طبيعة الأهداف التي قد تختارها واشنطن وتل أبيب. فإذا اقتصرت العمليات على منشآت عسكرية أو مواقع استراتيجية، فقد تجد طهران أن الرد المباشر بقدراتها الذاتية، أو عبر أدوات إقليمية محدودة، أكثر ملاءمة من توسيع المواجهة إلى لبنان. أما إذا اتجهت الضربات نحو إضعاف بنية النظام الإيراني أو استهداف قيادته بما يهدد استمراره، فإن الحسابات تصبح مختلفة، وقد ترتفع احتمالات تحريك الجبهات المرتبطة بطهران.
في المقابل، لا يبدو أن حزب الله يمتلك ترف اتخاذ قرار عسكري بمعزل عن النتائج التي يمكن أن تترتب عليه. فالحرب السابقة تركت آثاراً عميقة على بنيته التنظيمية والعسكرية، وألحقت أضراراً واسعة ببيئته ومناطق نفوذه، فضلاً عن استمرار الضغوط الداخلية المطالبة بحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية. صحيح أن تقارير تحدثت عن جهود لإعادة بناء بعض القدرات العسكرية والحصول على تمويل إيراني، لكن الاستعداد لمواجهة محتملة لا يعني امتلاك القدرة أو الرغبة في خوض حرب مفتوحة.
وهنا تبرز نقطة لا تقل أهمية: مصلحة إيران نفسها. فليس من المؤكد أن طهران ستطلب من الحزب التدخل إذا تجددت المواجهة. وقد يكون من مصلحتها الاحتفاظ بقدراته كورقة استراتيجية، بدلاً من تعريض ما تبقى من بنيته العسكرية لضربة إسرائيلية واسعة. كما أن فتح جبهة لبنانية قد يمنح إسرائيل مبرراً لتوسيع عملياتها، من دون أن يضمن تخفيف الضغط العسكري عن إيران.
أما إسرائيل، فقد تجد في أي تدخل للحزب فرصة لاستكمال أهداف عسكرية لم تحققها في المواجهات السابقة، ولا سيما في ظل استمرار وجود قواتها في أجزاء من الجنوب واستمرار العمليات والخروقات رغم التفاهمات القائمة. وهذا يعني أن أي إطلاق للصواريخ قد لا يقابل برد محدود، بل قد يفتح الباب أمام تصعيد يصعب ضبط حدوده.
داخلياً، لا يستطيع لبنان تحمّل حرب جديدة. فالدولة لم تستعد قدرتها على معالجة الأزمات المالية والاقتصادية، وإعادة الإعمار لا تزال مرتبطة بالإمكانات والتمويل والاستقرار، فيما يعيش السكان في الجنوب حالة دائمة من القلق وعدم اليقين. ومن شأن أي مواجهة واسعة أن تعيد البلاد إلى دائرة الدمار والنزوح وتعطيل المؤسسات، في وقت تحتاج فيه إلى تثبيت الاستقرار لا تعريضه لمغامرة إضافية.
لذلك، فإن جدية سيناريو تدخل حزب الله تبقى قائمة، لكنها ترتبط أساساً بمدى تهديد الضربات لمستقبل النظام الإيراني، وبطبيعة الرد الذي ستختاره طهران، وبحسابات الحزب الخاصة. أما الاحتمال الأكثر واقعية فيتمثل في محاولة تجنب فتح جبهة لبنانية شاملة ما لم تتغير قواعد المواجهة بصورة جوهرية.
في المحصلة، لا تكمن خطورة المرحلة في احتمال اندلاع الحرب وحده، بل في أن قراراً إقليمياً قد يعيد تحديد مصير لبنان من دون أن يكون للدولة اللبنانية دور حاسم فيه. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام اللبنانيين هو منع تحويل بلدهم مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، لأن كلفة الحرب المقبلة قد تتجاوز قدرة الدولة والمجتمع على الاحتمال.


