افتتاحية اليوم: طهران تراهن على الأرض

في ظل تصاعد حدة الحرب المندلعة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، تؤكد طهران استعدادها لمواجهة أي غزو بري محتمل، رغم ما تعرضت له قدراتها العسكرية من ضربات قوية واستنزاف. هذا الموقف لا ينفصل عن قراءة استراتيجية عميقة لطبيعة الجغرافيا الإيرانية، التي لطالما شكلت عامل قوة دفاعيًّا حاسمًا عبر التاريخ، وحوّلت أي محاولة لاجتياحها إلى مغامرة معقدة ومكلفة.
تعتمد العقيدة الدفاعية الإيرانية على مبدأ “الاستنزاف طويل الأمد”، حيث لا تسعى بالضرورة إلى حسم سريع في المواجهات البرية، بل إلى إنهاك الخصم تدريجيًّا عبر استغلال التضاريس الوعرة، والامتداد الجغرافي الواسع، وتعدد البيئات القتالية، من جبال شاهقة إلى صحارى واسعة. هذه الخصائص تمنح القوات الإيرانية المدافعة أفضلية نسبية، إذ تتيح لها تنفيذ تكتيكات حرب العصابات، والكمائن، والضربات المحدودة التي تستنزف قدرات القوات الأمريكية أو الإسرائيلية المهاجمة، وتطيل أمد المعركة.
ورغم تراجع بعض القدرات التقليدية نتيجة الضربات العسكرية، إلا أن طهران عوّضت ذلك بتعزيز أدوات الحرب غير المتكافئة، سواء عبر تطوير منظومات صاروخية مرنة، أو عبر الاعتماد على وحدات قتالية مدربة على القتال في البيئات الصعبة. كما أن الانتشار الواسع للقوات، واعتماد بنية عسكرية مرنة، يقللان من فعالية الضربات المركزة، ويجعلان من الصعب تحقيق اختراق حاسم على الأرض.
في المقابل، يدرك أي طرف يفكر في خوض حرب برية داخل إيران أن التحديات لا تقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة، بل تمتد إلى تعقيدات لوجستية هائلة، تبدأ من خطوط الإمداد الطويلة، ولا تنتهي عند صعوبة السيطرة على مناطق واسعة ومتنوعة جغرافيًّا. فالتقدم داخل الأراضي الإيرانية قد يتحول سريعًا إلى عبء استراتيجي، مع تزايد احتمالات الاستنزاف البشري والمادي.
تراهن طهران أيضًا على عامل الزمن، إذ تعتقد أن إطالة أمد أي مواجهة برية من شأنه أن يضعف إرادة الخصوم، ويزيد الضغوط الداخلية عليهم، سواء على المستوى الشعبي أو الاقتصادي، وقد بدأ ذلك يظهر داخل أمريكا. ومن هنا، فإن الاستعداد الإيراني لا يُقرأ فقط في إطار عسكري، بل كجزء من استراتيجية شاملة تهدف إلى تحويل أي غزو محتمل إلى معركة مفتوحة بلا أفق واضح.
غير أن ذلك لا يعني أن الجاهزية الإيرانية ستؤدي إلى التفوق العسكري التقليدي، بقدر ما تعكس قدرة على توظيف الجغرافيا والوقت والتكتيك في مواجهة خصم قد يكون متفوقًا تقنيًّا، لكنه يفتقر إلى ميزة الأرض. وبين هذين العاملين، تتشكل معادلة ردع معقدة تجعل من خيار الغزو البري الأمريكي مغامرة محفوفة بالمخاطر.




