افتتاحية اليوم: مستقبل آلاف الطلاب في مهبِّ الانتظار

لم يعد القلق الذي يخيّم على آلاف الطلاب اللبنانيين في فرنسا مجرد هاجس سنوي يسبق انطلاق العام الجامعي، بل تحوّل إلى أزمة فعلية تهدد مستقبل أكثر من عشرة آلاف طالب ينتظرون، بفارغ الصبر، صدور الآلية التنفيذية التي تترجم إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإعفاء اللبنانيين المسجلين في الجامعات الرسمية الفرنسية من رسوم التسجيل. وبين الوعد السياسي والتنفيذ الإداري، يجد هؤلاء أنفسهم أمام سباق مع الوقت، فيما تقترب المهل الجامعية من نهايتها، من دون أي وضوح بشأن مصير الإعفاء.
وتكتسب هذه القضية أهمية استثنائية؛ لأنها تتجاوز البعد المالي إلى أبعاد اجتماعية وتعليمية وإنسانية. فالأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي يعيشها لبنان جعلت الدراسة في الخارج حلمًا باهظ الكلفة بالنسبة لمعظم العائلات، فيما بقيت الجامعات الفرنسية إحدى الوجهات الأساسية للطلاب اللبنانيين، لما يجمع البلدين من علاقات ثقافية وأكاديمية وتاريخية متينة.
لكن هذه العلاقة تواجه اليوم اختبارًا حقيقيًا، فالطلاب الذين بنوا خططهم الدراسية على أساس الإعفاء المعلن وجدوا أنفسهم أمام واقع مختلف، إذ لا تزال الجامعات تنتظر التعليمات الرسمية، فيما يطالب العديد منها بدفع الرسوم ضمن المهل المحددة، الأمر الذي يضع الطلاب بين خيارين أحلاهما مر: إما تسديد مبالغ تفوق قدراتهم المالية، أو المخاطرة بخسارة مقاعدهم الجامعية.
وتتضاعف المخاوف مع ارتفاع قيمة الرسوم الجامعية بالنسبة للطلاب الأجانب، في ظل الوضع المالي المتردي للعديد من العائلات اللبنانية. لذلك، فإن أي تأخير إضافي في إصدار الآلية التنفيذية لا يعني مجرد تأخير إداري، بل ينعكس مباشرة على آلاف الأسر التي رتبت أوضاعها المالية على أساس تنفيذ التعهد الفرنسي.
في المقابل، تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك دبلوماسي لبناني أكثر فاعلية، سواء عبر السفارة اللبنانية في باريس أو من خلال وزارة الخارجية، لمتابعة الملف مع السلطات الفرنسية وتسريع استكمال الإجراءات المطلوبة، بما يبدد حالة الضبابية التي يعيشها الطلاب.
كما أن الجامعات الفرنسية مدعوة إلى إظهار قدر من المرونة خلال هذه المرحلة الانتقالية، من خلال تمديد مهل الدفع أو تعليق المطالبة بالرسوم إلى حين اتضاح الصورة، خصوصًا أن القضية لا ترتبط برفض الطلاب الالتزام بواجباتهم، بل بانتظار تنفيذ قرار سبق الإعلان عنه على أعلى المستويات السياسية.
وتحمل هذه الأزمة بعدًا رمزيًا أيضًا، إذ إن تنفيذ الإعفاء سيكون رسالة تؤكد استمرار الدعم الفرنسي للبنان، ليس فقط عبر المساعدات الإنسانية، بل من خلال الاستثمار في العنصر البشري اللبناني، الذي لطالما شكّل ركيزة أساسية في العلاقات بين البلدين.
وفي المقابل، فإن استمرار التأخير قد يترك آثارًا تتجاوز العام الدراسي الحالي، إذ قد يدفع العديد من الطلاب إلى إعادة النظر في خياراتهم الجامعية، ويثير تساؤلات حول مدى قدرة الوعود السياسية على التحول إلى إجراءات عملية ضمن المهل المطلوبة.
ويبقى الأمل قائمًا في أن تشهد الأيام المقبلة انفراجًا سريعًا؛ لأن الوقت لم يعد يحتمل مزيدًا من الانتظار. فالطلاب لا يطالبون بامتياز جديد، بل بتنفيذ تعهد أُعلن رسميًا من قبل رئاسة الإليزيه.




