افتتاحية اليوم: رسالة بري… إنذار مبكر

لم يحتج رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى خطاب مطوّل كي يوجّه واحدة من أكثر الرسائل السياسية القوية في هذه المرحلة الحساسة. ففي عبارة مقتضبة قال: “يا أهلي في لبنان… كل لبنان… إنها الفتنة”، قبل أن يستحضر الحكمة المأثورة: “كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهرًا فيُركب، ولا ضرعًا فيُحلب”. كلمات قليلة، لكنها حملت أبعادًا سياسية ووطنية عميقة، تعكس حجم القلق من دخول البلاد مرحلة شديدة الخطورة عنوانها الانقسام الداخلي.
فالبيان لا يمكن فصله عن المناخ الذي يعيشه لبنان، حيث تتقاطع التطورات السياسية مع التوترات الأمنية، وتتزايد حدة الانقسام حول الخيارات الوطنية الكبرى، ما يرفع منسوب المخاوف من انتقال الخلاف السياسي حول نتائج المفاوضات في واشنطن وغيرها من المواضيع الخلافية إلى الشارع. ومن هنا جاء تحذير بري بمثابة دعوة استباقية لاحتواء أي محاولة لاستدراج اللبنانيين إلى مواجهة داخلية تعيد إنتاج مشاهد طالما دفعت البلاد أثمانًا باهظة بسببها.
ويحمل استشهاد بري بقول الإمام علي بن أبي طالب بُعدًا يتجاوز المضمون الديني أو التراثي، ليعكس موقفًا سياسيًا يدعو إلى الامتناع عن التحول إلى أدوات في مشاريع الصراع. فـ”ابن اللبون” لا يصلح للركوب ولا للحلب، في إشارة إلى ضرورة ألّا يكون المواطن، أو أي طرف سياسي، وسيلةً يستغلها الآخرون لإشعال النزاعات أو تصفية الحسابات.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية استثنائية؛ لأنها تخاطب “كل لبنان”، من دون تخصيص فئة أو منطقة أو طائفة، بما يعكس إدراكًا بأن الفتنة، إذا اندلعت، لن تقتصر أضرارها على فريق دون آخر، بل ستصيب الجميع، فالخبرة اللبنانية أثبتت أن أي شرارة داخلية سرعان ما تتحول إلى أزمة وطنية شاملة يصعب احتواؤها.
يمكن قراءة موقف بري على أنه محاولة لرسم خط فاصل بين المعارضة السياسية لأي مسار أو اتفاق، وبين الانزلاق إلى الفوضى. فالاعتراض، مهما بلغ حجمه، يجب أن يبقى ضمن الأطر السياسية والدستورية، بعيدًا عن الشارع المتوتر أو الخطاب التحريضي الذي قد يفتح الباب أمام انفلات يصعب السيطرة عليه.
كما أن البيان حمل رسالة إلى مختلف القوى السياسية بضرورة تغليب العقل على الانفعال، وعدم الاستثمار في الاحتقان الشعبي لتحقيق مكاسب ظرفية. فلبنان يقف أمام مرحلة دقيقة تتطلب أعلى درجات المسؤولية؛ لأن أي خطاب تصعيدي قد يتحول سريعًا إلى عنصر تفجير في مجتمع لا تزال ذاكرته مثقلة بتجارب الحرب والانقسام.
وفي المقابل، تشكل كلمات الرئيس بري دعوة مباشرة للمؤسسات الأمنية والقضائية والسياسية كي تتحمل مسؤولياتها في حماية الاستقرار، ومنع أي محاولة لجر البلاد إلى صدامات داخلية، أيًا تكن ذرائعها أو الجهات التي تقف خلفها. وبذلك يكون رئيس المجلس قد اختصر المشهد اللبناني بجملة واحدة: “إنها الفتنة”. وهي ليست مجرد توصيف لحظة سياسية، بل إنذار مبكر من مخاطر مرحلة قد تكون أشد تعقيدًا من أي وقت مضى.




