أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: دمار ممنهج للضاحية

تعيش الضاحية الجنوبية لبيروت واحدة من أقسى مراحلها منذ سنوات، بعدما تحولت أحياؤها في الأيام الأخيرة إلى مسرح لضربات إسرائيلية كثيفة خلّفت دماراً هائلاً لا تكاد الكلمات تكفي لوصفه. فالمشهد في الشوارع والأحياء السكنية يوحي بأن منطقة الضاحية بكاملها تواجه حملة تدمير ممنهجة، لا مجرد عمليات عسكرية محدودة، إذ تمتد آثار القصف إلى مساحات واسعة من الأبنية السكنية والمؤسسات والبنى التحتية، تاركةً خلفها مشهداً ثقيلاً من الركام والخراب.

فالضاحية، التي تُعدّ من أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان في لبنان، شهدت موجات قصف متلاحقة استهدفت مربعات سكنية بكاملها. ومع كل غارة يتكرر المشهد ذاته: مبانٍ مدمَّرة أو متصدّعة، شوارع مليئة بالحطام، وسيارات محترقة. أما ما تبقّى من السكان الذين عاشوا لحظات القصف أمس الأول، فيصفون ما جرى بأنه أقرب إلى زلزال متكرر يهزّ الأرض ويقلب الحياة رأساً على عقب.

ولا يقتصر أثر هذه الضربات على الجانب المادي فحسب، بل يتعداه إلى أبعاد إنسانية واجتماعية عميقة. فآلاف العائلات اضطرت إلى النزوح من منازلها تحت وقع القصف، باحثةً عن مأوى في مناطق أخرى أكثر أمناً. ومع اتساع حركة النزوح، تتزايد المخاوف من أزمة إنسانية متفاقمة، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها لبنان أصلاً.

ويرى مراقبون أن حجم الدمار الذي لحق بالضاحية في اليومين الماضيين يتجاوز، في بعض جوانبه، الطابع العسكري المباشر، ليحمل دلالات سياسية واستراتيجية. فاستهداف مناطق مكتظة بالسكان وذات كثافة عمرانية عالية يضع المواطنين أمام ضغط هائل، ويخلق واقعاً معيشياً قاسياً ينعكس على حياتهم اليومية.

وفي هذا السياق، يبدو أن الضاحية تتحول إلى ساحة ضغط ميداني ونفسي في آنٍ معاً، في إطار حرب إسرائيلية تسعى إلى تغيير موازين القوى عبر استهداف البيئة الحاضنة قبل أي شيء آخر. كما أن الدمار الواسع الذي أصاب الأبنية والبنية التحتية يطرح تحديات هائلة على مستوى إعادة الإعمار مستقبلاً.

فالخسائر لا تتعلق بالمنازل والمحال التجارية فقط، بل تشمل شبكات الكهرباء والمياه والطرق، والمدارس، والمؤسسات. وهذا يعني أن عملية التعافي لن تكون سريعة أو سهلة، بل ستتطلب وقتاً طويلاً وجهوداً كبيرة لإعادة الحياة إلى ما كانت عليه.

وسط هذا المشهد القاتم، يظهر وجه آخر للضاحية يتمثل في التضامن الاجتماعي بين سكانها. فمع كل موجة قصف، تتكثف مبادرات الإغاثة والمساعدة، سواء عبر فتح المنازل لاستقبال النازحين أو عبر تنظيم حملات دعم لتأمين الاحتياجات الأساسية.

هذه الروح التضامنية تعكس قدرة المجتمع اللبناني على الصمود رغم قسوة الظروف. لكن الواقع يبقى قاسياً: أحياء بكاملها تحولت إلى كتل من الركام، وعائلات فقدت منازلها وذكرياتها في لحظات قليلة.

وبينما يتواصل القصف، وتبقى السماء مفتوحة على احتمالات التصعيد، تبدو الضاحية الجنوبية اليوم أمام مرحلة مفصلية، حيث يمتزج الدمار بالصمود، والخوف بالأمل، في انتظار أن تضع هذه الحرب أوزارها ويبدأ طريق التعافي الطويل.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى