خاصأبرزرأي

هدنة على حافة الانفجار

حسين زلغوط, خاص: “رأي سياسي”:

تبدو الهدنة القائمة بين لبنان وإسرائيل أشبه بخيط رفيع مشدود فوق هاوية مفتوحة، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع التعقيدات السياسية الداخلية، في مشهد يجعل من صمود هذه الهدنة أمرًا ممكنًا نظريًا، لكنه محفوف بمخاطر الانهيار في أي لحظة. فهذه الهدنة، التي وُلدت تحت ضغط إقليمي ودولي، لم تستند إلى أرضية صلبة من التفاهمات الواضحة، بل جاءت كاستراحة اضطرارية في مسار تصعيدي لم تُحسم أسبابه ولا تداعياته.

في الظاهر، ثمة رغبة دولية في تثبيت وقف إطلاق النار تمهيدًا لفتح باب المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، غير أن هذا المسار يصطدم بواقع لبناني شديد التعقيد، فالدولة اللبنانية، المثقلة بأزماتها السياسية والاقتصادية، لا تبدو في موقع يسمح لها بخوض مفاوضات متماسكة أو فرض شروط واضحة. فالانقسام الداخلي حول مقاربة الصراع مع إسرائيل، سواء من حيث الأولويات أو الأدوات، يضعف الموقف التفاوضي ويجعله عرضة للتجاذبات.

في المقابل، لا تخفي إسرائيل سعيها إلى استثمار هذه اللحظة لفرض معادلات جديدة، تتجاوز مجرد تثبيت الهدنة إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك على الحدود. وهي، وإن أبدت انفتاحًا على التفاوض، فإنها تربطه بشروط أمنية صارمة، ما يضع لبنان أمام معادلة دقيقة: إما الدخول في مفاوضات بشروط غير متكافئة، أو المخاطرة بانهيار الهدنة والعودة إلى التصعيد.

العامل الأكثر حساسية في هذا المشهد هو وضع الجنوب اللبناني، حيث لا تزال آثار المواجهات الأخيرة ماثلة، سواء على مستوى الدمار أو النزوح. فعودة الاستقرار إلى هذه المناطق ليست مسألة تقنية فحسب، بل ترتبط مباشرة بمصير الهدنة نفسها، فأي خرق أمني، مهما كان محدودًا، قد يتحول إلى شرارة تعيد إشعال الجبهة، في ظل غياب آلية واضحة لضبط التصعيد.

إلى جانب ذلك، يلعب العامل الإقليمي دورًا حاسمًا في تحديد اتجاه الأمور. فلبنان ليس معزولًا عن التوترات الأوسع في المنطقة، لا سيما التوتر بين طهران وواشنطن، وأي تبدل في موازين القوى أو في مسارات الصراع الإقليمي سينعكس تلقائيًا على وضعه الداخلي.
من هنا، تبدو الهدنة الحالية جزءًا من لوحة أكبر، تتداخل فيها حسابات متعددة، ما يجعلها عرضة للتقلب وفق تطورات خارجية لا يملك لبنان السيطرة عليها.

أما على المستوى الداخلي، فإن غياب رؤية موحدة لإدارة المرحلة المقبلة يفاقم حالة الضبابية. فبين من يرى في التفاوض فرصة لتجنيب البلاد مزيدًا من الدمار، ومن يعتبره تنازلًا غير مقبول، يبقى القرار اللبناني رهينة التوازنات الدقيقة التي قد تعرقل أي مسار تفاوضي جدي.

حيال ما تقدم، يمكن القول إن الهدنة الهشة المحددة بعشرة أيام، التي تنتهي الأحد المقبل، تقف أمام اختبار الزمن والوقائع. فهي قد تصمد وتُمدَّد إذا توافرت إرادة دولية حازمة وضُبطت الإيقاعات الميدانية، لكنها تبقى مهددة بالانهيار في ظل الخروقات الإسرائيلية وهشاشة الداخل اللبناني وتشابك العوامل الإقليمية. وبين هذين الاحتمالين، سيظل لبنان يتقلب على صفيح ساخن، بانتظار لحظة حاسمة قد تحدد ما إذا كان متجهًا نحو تسوية طويلة الأمد أو نحو جولة جديدة من المواجهة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى