أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: بيروت وفوضى السلاح

هزّت الأحداث الأمنية التي شهدتها منطقة عائشة بكّار الأسبوع الفائت الرأي العام البيروتي، بعدما تحوّل إشكال فردي بين عدد من الشبّان إلى مواجهة مسلّحة أثارت حالةً من الهلع والخوف بين السكان، وأعادت إلى الواجهة أسئلةً قديمةً متجدّدةً حول واقع الأمن في العاصمة، وحدود قدرة الدولة على ضبط السلاح المتفلّت، وإمكانية الانتقال من مرحلة المعالجات الظرفية إلى مشروع متكامل يجعل بيروت مدينةً خاليةً من السلاح خارج إطار المؤسسات الشرعية.

فما جرى لم يكن مجرد حادث أمني عابر، بل شكّل إنذارًا جديدًا حول خطورة انتشار السلاح في الأحياء السكنية، وتحول بعض الخلافات الشخصية أو المصلحية إلى مواجهات تهدّد الأمن الاجتماعي. كما أن المعلومات المتداولة عن ارتباط الإشكال بخلافات تتصل بالنفوذ وفرض الإتاوات زادت من حجم القلق لدى أبناء العاصمة، الذين يرون في مثل هذه الظواهر تهديدًا مباشرًا لصورة بيروت ولدورها الاقتصادي والسياحي والثقافي.

وفي ظل هذه الوقائع، عاد الحديث بقوة عن مشروع “بيروت منزوعة السلاح”، الذي سبق أن طُرح في أكثر من مناسبة باعتباره مدخلًا أساسيًا لإعادة الاعتبار إلى هيبة الدولة. ويستند هذا الطرح إلى فكرة بسيطة تقوم على حصر السلاح بالقوى العسكرية والأمنية الشرعية، ومنع أي مظاهر مسلّحة داخل الأحياء السكنية مهما كانت الذرائع، بما يضمن حماية المواطنين ويمنع تكرار مشاهد الاشتباكات التي تزرع الخوف في نفوس السكان.

ويؤكد المدافعون عن هذا المشروع أن العاصمة تختلف بطبيعتها عن سائر المناطق، كونها مركز القرار السياسي والإداري والاقتصادي، ما يفرض توفير أعلى درجات الاستقرار فيها. كما أن نجاح أي خطة أمنية في بيروت من شأنه أن ينعكس إيجابًا على مجمل الواقع اللبناني، ويعزّز ثقة المواطنين والمستثمرين بقدرة الدولة على فرض القانون.

غير أن تحقيق هذا الهدف لا يقتصر على الإجراءات الأمنية وحدها، بل يتطلب خطةً متكاملةً تشمل معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تسمح بظهور مجموعات خارجة عن القانون، إلى جانب تعزيز دور القضاء وتسريع الملاحقات القانونية بحق المتورطين في أعمال الترهيب وفرض الخوّات وإطلاق النار.

وفي المقابل، يدرك كثيرون أن الطريق نحو بيروت خالية من السلاح ليس سهلًا، نظرًا لتعقيدات الواقع اللبناني وتشابك الملفات الأمنية والسياسية. إلا أن ما شهدته عائشة بكّار أعاد التأكيد أن استمرار الوضع الحالي يحمل مخاطر أكبر بكثير من كلفة المعالجة.

وعليه، تبدو العاصمة اليوم أمام مفترق طرق واضح: إما الاكتفاء بردود الفعل بعد كل حادث أمني، وإما تحويل هذه الأحداث إلى فرصة لإطلاق مسار جدي يعيد للدولة حضورها الكامل في شوارع بيروت وأحيائها. فالأمن ليس مطلبًا سياسيًا لفئة دون أخرى، بل حق أساسي لكل مواطن، وشرط لا غنى عنه لاستعادة الحياة الطبيعية في مدينة لطالما كانت عنوانًا للعيش المشترك والانفتاح والاستقرار.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى