افتتاحية اليوم: الحكومة وتثبيت الناس في أرضهم

تتجه الأنظار نحو ورشة إعادة الإعمار التي يُفترض أن تنطلق بعد أن تضع الحرب الإسرائيلية على لبنان أوزارها، وتتقدّم في هذا السياق مقاربة جديدة تقوم على “التدخّل السريع” للحكومة والاستجابة للحاجات الأكثر إلحاحًا، بهدف منع انهيار الأوضاع الإنسانية والاجتماعية في المناطق المتضررة. فالأولوية في المرحلة المقبلة لن تكون لإعادة بناء ما تهدّم بالكامل، بل لتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة الأساسية، بما يسمح للسكان بالعودة التدريجية إلى قراهم ومدنهم.
وقد كشف وزير المالية ياسين جابر أن لدى الخزينة ما بين 500 و600 مليون دولار جاهزة للإنفاق ضمن الاستجابة الطارئة والسريعة، جُمعت من قروض سابقة وهبات، موضحًا أنه إذا احتجنا، يمكن أيضًا أن نصرف من الخزينة. ووفق المعلومات، فإن هذه المبالغ ستُخصّص لإصلاح شبكات المياه والكهرباء والاتصالات، وفتح الطرقات، وإزالة الأنقاض، وتأهيل المراكز الصحية والمدارس، إضافة إلى تقديم المساعدات المباشرة للأسر المتضررة. وتندرج هذه الخطوات ضمن مفهوم إدارة الطوارئ الذي يهدف إلى الحد من تداعيات الحرب الاقتصادية والاجتماعية، ومنع موجات نزوح جديدة قد تزيد من تعقيد المشهد الداخلي.
وتختلف هذه المقاربة جذريًا عن تلك التي أعقبت وقف إطلاق النار عام 2024، حين واجهت الدولة تحديًا مضاعفًا تمثّل في غياب الموارد المالية اللازمة للاستجابة الفورية. أما اليوم، فتتوفر إمكانات أولية تتيح التحرك بسرعة أكبر، مع وجود مئات ملايين الدولارات المخصصة لتمويل الاستجابة العاجلة، ما يوفّر هامشًا للتحرك في الأيام والأسابيع الأولى التي تلي انتهاء العمليات العسكرية.
غير أن هذه الأموال، على أهميتها، تبقى محدودة إذا ما قورنت بحجم الدمار والخسائر. فهي تشكّل شبكة أمان مؤقتة، لكنها لا تمثّل بديلًا عن خطة وطنية شاملة لإعادة الإعمار تحتاج إلى مليارات الدولارات وإلى شراكة واسعة مع المجتمعين العربي والدولي. وهذا يتطلب عقد مؤتمر عربي أو دولي يُخصّص لجمع المساعدات لورشة إعادة الإعمار، لا سيما أن نجاح مرحلة التدخل السريع لا يرتبط فقط بتوافر التمويل، بل بقدرة المؤسسات الرسمية على إدارة الموارد بكفاءة وشفافية، وتحديد الأولويات بدقة، وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها بعيدًا عن الاعتبارات السياسية أو الحسابات الضيقة.
وفي انتظار انطلاق ورشة الإعمار الكبرى، يبدو أن لبنان مقبل على مرحلة عنوانها تثبيت السكان في أرضهم وتأمين مقومات الصمود. فالمعركة المقبلة لن تكون معركة بناء الحجر فحسب، بل معركة حماية المجتمع من تداعيات حرب أنهكت البشر والبنى التحتية والاقتصاد على حد سواء.




