افتتاحية اليوم: الجنوب بين التدمير.. والنهب

لم يعد المشهد في جنوب لبنان مقتصراً على دمار الأبنية أو اتساع رقعة الخراب، بل بات يتخذ بُعداً أكثر قسوة حين تمتد الحرب إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل المنازل. فمع توغل قوات العدو الإسرائيلي في عشرات القرى والبلدات الحدودية، برزت ظاهرة مقلقة تتجاوز العمل العسكري التقليدي، لتطال ممتلكات المدنيين الخاصة وتحوّلها إلى غنائم حرب.
شهادات متداولة لجنود إسرائيليين تكشف أن عمليات نهب واسعة النطاق طالت المنازل والمتاجر، حيث جرى الاستيلاء على مقتنيات شخصية وأثاث منزلي وأجهزة كهربائية، وصولاً إلى قطع فنية وسجاد، وقد ظهر ذلك جلياً في صور وثّقت هذه العمليات.
إن تأثير هذه الظاهرة لا يقف عند حدود الخسارة المادية، رغم قسوتها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها أهل الجنوب والشعب اللبناني بشكل عام، بل يمتد إلى البعد النفسي والرمزي. فالمنزل ليس مجرد جدران، بل هو مساحة ذاكرة وهوية وامتداد للعائلة، وعندما يُنهب، فإن ما يُسلب ليس فقط أثاثاً أو مقتنيات، بل جزء من الإحساس بالأمان والاستقرار والانتماء.
كما أن هذا الواقع يُبعد أي احتمالات لعودة سريعة إلى الحياة الطبيعية، فالنازح الذي فقد منزله أو تعرّض للنهب سيواجه صعوبة مضاعفة في اتخاذ قرار العودة، خصوصاً إذا كان يشعر بأن ممتلكاته باتت عرضة للاستباحة. وهنا تتداخل الأبعاد الإنسانية مع السياسية، حيث يصبح إعادة الإعمار أكثر تعقيداً من مجرد إعادة بناء الحجر.
من جهة أخرى، يسلّط هذا السلوك الخبيث الضوء على إشكالية أوسع تتعلق بقواعد الاشتباك واحترام القوانين الدولية في النزاعات المسلحة. إذ إن استهداف ممتلكات المدنيين أو الاستيلاء عليها يثير جدلاً قانونياً وأخلاقياً، ويضع هذه الممارسات تحت مجهر المساءلة الدولية، خصوصاً في ظل تزايد التوثيق الرقمي والشهادات المباشرة.
كما أن ما يجري في الجنوب يكشف عن وجه آخر للحرب، وجه لا يُقاس بعدد الغارات أو حجم الدمار فحسب، بل بمدى الضغوط النفسية التي سيتعرض لها سكان القرى المتضررة. فالنهب، حين يتحول إلى ظاهرة، لا يسرق الممتلكات فقط، بل يسرق أيضاً ما تبقى من ثقة وأمل بإمكانية استعادة الحياة كما كانت.



