افتتاحية اليوم: استهداف سيارات الإسعاف جريمة حرب

في كل الحروب تبقى هناك خطوط حمراء يفترض ألا يتم تجاوزها، لأن تجاوزها يعني سقوط آخر الحواجز التي تفصل بين الحرب والهمجية. ومن أبرز هذه الخطوط حماية الطواقم الطبية والمستشفيات وسيارات الإسعاف، إذ إن استهدافها لا يشكل فقط انتهاكاً للقوانين الدولية، بل اعتداءً مباشراً على جوهر العمل الإنساني الذي يقوم على إنقاذ الحياة لا إزهاقها.
في الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان، برزت في أكثر من محطة مشاهد صادمة تتعلق باستهداف مسعفين أو قصف محيط مستشفيات أو تعريض فرق الإسعاف للخطر أثناء قيامها بواجبها، وهذه الممارسات تثير تساؤلات عميقة حول مدى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، الذي وضع منذ عقود منظومة واضحة لحماية العاملين في المجال الطبي خلال النزاعات المسلحة.
فالقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف لعام 1949، يمنح الطواقم الطبية والمنشآت الصحية حماية خاصة، باعتبارها مؤسسات إنسانية لا تشارك في القتال. وتنص هذه الاتفاقيات على ضرورة احترام وحماية الوحدات الطبية والمستشفيات في جميع الأحوال، كما تحظر الهجمات التي تستهدفها بشكل مباشر أو غير مباشر.
كما يُعدّ الاستهداف المتعمد للمستشفيات أو للأماكن التي يتجمع فيها الجرحى والمرضى جريمة حرب بموجب القانون الدولي، لما يحمله من تهديد مباشر لحياة المدنيين والجرحى الذين يفترض أن يكونوا خارج دائرة القتال.
وتكمن خطورة استهداف الجسم الطبي في أنه لا يطال أفراداً بعينهم فحسب، بل يضرب منظومة إنقاذ الحياة بأكملها. فعندما تتعرض سيارات الإسعاف للقصف أو يخشى المسعفون الوصول إلى أماكن القصف، يصبح الجرحى بلا علاج، ويتحول النزيف البشري إلى مأساة مضاعفة. وفي هذه الحالة لا تكون الضربة موجهة إلى هدف عسكري، بل إلى القدرة الإنسانية على إنقاذ الضحايا.
ولا يقتصر أثر هذه الانتهاكات على الجانب الإنساني فقط، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي والنفسي للمجتمع. فالطبيب والمسعف في زمن الحرب يمثلان آخر أمل للمدنيين، واستهدافهما يزرع شعوراً عميقاً بانعدام الأمان ويكرّس منطق الحرب الشاملة التي لا تميز بين مقاتل ومدني.
لا شك إن حماية الطواقم الطبية ليست مسألة قانونية فحسب، بل هي مبدأ أخلاقي أساسي قامت عليه الحضارة الإنسانية بعد تجارب الحروب المدمرة في القرن العشرين. ولهذا فإن أي اعتداء على هذه الطواقم يمثل تراجعاً خطيراً عن الحد الأدنى من القيم التي حاول العالم ترسيخها لضبط الحروب وتقليل آثارها الكارثية.
من هنا، يصبح احترام الحياد الطبي ضرورة ملحّة لا تحتمل التأويل. فالحرب، مهما اشتدت، لا تبرر تحويل المستشفيات إلى أهداف ولا المسعفين إلى ضحايا. وفي زمن تتكاثر فيه النزاعات، تبقى حماية من ينقذون الأرواح اختباراً حقيقياً لضمير العالم قبل أن تكون مجرد نص قانوني مكتوب.




