افتتاحية اليوم: استقرار بعيد المنال

تتسارع المساعي الإقليمية والدولية لتمديد مدة وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، في محاولة لاحتواء تصعيدٍ يبدو أنه لم يُحسم بعد، بل جرى تأجيله تحت ضغط الوقائع الميدانية والاعتبارات السياسية، وقد نقل السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى هذه الأجواء إلى الرئيسين جوزاف عون ونبيه بري.
فالهدنة القائمة حالياً لا تستند إلى اتفاق متين بقدر ما تقوم على توازن هش، يجعلها عرضة للاهتزاز عند أي خرق أمني أو حساب خاطئ، ولذا تبدو الجهود الدبلوماسية وكأنها سباق مع الوقت، إذ تسعى الأطراف المعنية إلى تثبيت التهدئة كمرحلة انتقالية تمهّد لمسار تفاوضي أوسع ينطلق مجدداً يوم غد الخميس، أو على الأقل تمنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة لا يملك أي طرف ترف خوضها. غير أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب أرضية مشتركة واضحة، حيث تختلف أولويات كل طرف: لبنان يركز على وقف كامل لإطلاق النار وانسحاب القوات من النقاط المتنازع عليها، فيما تسعى إسرائيل إلى فرض ترتيبات أمنية جديدة تتصل بواقع الجنوب.
هذا التباين يضع الهدنة في دائرة التجاذب، ويجعل تمديدها بعد اجتماع واشنطن الخميس مشروطاً بتنازلات متبادلة لم تتبلور معالمها بعد. فلبنان لا يملك هامشاً واسعاً للمناورة، بينما تعتمد إسرائيل سياسة الضغط الميداني لتحسين شروطها التفاوضية. وبين هذا وذاك، يبقى اللبنانيون هم الحلقة الأضعف، ينتظرون استقراراً لا يبدو قريب المنال.
إلى جانب التعقيدات المحلية، تلعب العوامل الإقليمية دوراً حاسماً في تحديد مصير الهدنة، فالتوترات الأوسع في المنطقة، لا سيما الحرب الأميركية – الإيرانية، تنعكس مباشرة على الساحة اللبنانية، ما يجعل أي اتفاق عرضة للتأثر بمسارات أكبر منه. من هنا، فإن تمديد وقف النار لا يرتبط فقط بإرادة الطرفين المباشرين، بل أيضاً بتقاطعات المصالح الدولية والإقليمية، لا سيما الأميركية والإيرانية، التي قد تدفع نحو التهدئة أو التصعيد وفقاً لحساباتها.
ورغم ذلك، ثمة إدراك متزايد لدى مختلف الأطراف بأن استمرار الاشتباك المفتوح سيؤدي إلى كلفة باهظة، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضاً على الصعيدين الاقتصادي والإنساني، وهذا الإدراك يشكّل دافعاً أساسياً للإبقاء على الهدنة، ولو بصيغتها الهشة، بانتظار ظروف أكثر ملاءمة لتثبيت اتفاق طويل الأمد.
لذلك، إن تمديد وقف إطلاق النار هو الخيار الوحيد المتاح حالياً، لكنه خيار مؤقت لا يعالج جذور المشكلة. فالهدنة، بصيغتها الراهنة، تشبه هدنة الضرورة لا هدنة الحل، ما يعني أنها قد تصمد لفترة، لكنها لن تكون قادرة على الصمود إلى ما لا نهاية.




