
حسين زلغوط, خاص ـ “رأي سياسي”:

قد يكون لبنان البلد العربي الوحيد الذي لا تزال فيه معاملة إخراج القيد تحتاج إلى رحلة استكشافية تشبه البحث عن الكنز المفقود، ورغم ذلك قرر النواب الكرام في لجنة المال والموازنة، أمس، أن يفتحوا أبواب لبنان أمام المستثمر الأجنبي عبر إقرار “الإقامة الذهبية” لقاء نصف مليون دولار.
نعم، نصف مليون دولار فقط، وتحصل على إقامة في جمهورية العجائب اللبنانية.
الفكرة جميلة على الورق، بل لامعة كالذهب الذي تحمل اسمه. فالعالم كله يتنافس على جذب المستثمرين، ولبنان ليس استثناءً. لكن المواطن اللبناني، الذي سمع الخبر وهو ينتظر منذ ثلاثة أشهر توقيع موظف غائب، أو ختم دائرة مقفلة، أو معاملة ضائعة بين الأدراج، لم يعرف إن كان عليه أن يضحك أم يبكي.
تخيلوا مستثمراً أجنبياً يصل إلى بيروت حاملاً حقيبة أموال ورغبة في المساهمة بالاقتصاد، يستقبله المطار بابتسامة، ثم تبدأ المغامرة.
فإذا أراد تسجيل شركة، عليه أولاً أن يتعرف إلى ثقافة “راجعنا الأسبوع المقبل”، وإذا كان يريد رخصة بناء أو رخصة سوق، فهنا سيتم الترحيب به في عالم الانقطاع الكهربائي، وتعطل السيرفرات، وغياب الموظف المسؤول، وانتظار الموظف البديل، ثم انتظار عودة الموظف الأصلي.
في الدول التي استوحى منها لبنان فكرة الإقامة الذهبية، يحصل المستثمر على بيئة عمل حديثة، وإدارة رقمية، وخدمات إلكترونية.
أما في لبنان، فقد يحصل على فرصة نادرة لاختبار الحياة كما كانت في القرن الماضي، مع بعض الإضافات الحديثة، مثل تطبيقات الهواتف التي تخبره أن معاملته “قيد المعالجة” منذ ستة أشهر.
والمفارقة أن الدولة تعرض “الإقامة الذهبية”، فيما لا يزال اللبناني نفسه يبحث عن إقامة عادية داخل وطنه. فالشاب اللبناني الذي هاجر بحثاً عن راتب محترم، والعائلة التي أنهكتها الأزمة الاقتصادية، والمتقاعد الذي تبخر راتبه مع انهيار سعر الصرف، جميعهم ينظرون إلى المشروع بإعجاب يشبه إعجاب الجائع بقائمة الطعام المعلقة خلف زجاج مطعم فاخر.
منذ عام 2023، يعيش لبنان تحت وطأة الحرب، والاقتصاد يترنح، والسياحة تتأرجح بين موسم وآخر، والدوائر الرسمية لا تزال تنجز المعاملات على الورقة والقلم، وكأن الثورة الرقمية مؤامرة خارجية.
الموظف العام بدوره ليس مسؤولاً وحده، فهو ضحية رواتب فقدت قيمتها، وإدارات تعيش في حالة إنعاش اصطناعي دائم.
ومع ذلك، يبدو أن الحل السحري الذي توصلت إليه الدولة هو استقطاب مستثمرين يملكون نصف مليون دولار، وكأن المشكلة لم تكن يوماً في البنية التحتية، أو الإدارة، أو القوانين، أو الاستقرار، بل في أن العالم لم يكن يعلم بعد أن لبنان يبيع إقامات ذهبية.
لا أحد يعترض على جذب الاستثمارات، بل على العكس، فلبنان بأمسّ الحاجة إليها، لكن المستثمر لا يشتري إقامة فقط، بل يشتري ثقة.
والثقة لا تُطبع على ورقة قانون، بل تُبنى عبر مؤسسات فاعلة، وقضاء سريع، وإدارة حديثة، وكهرباء لا تنقطع كل بضع ساعات.
إلى ذلك الحين، قد يكون من المفيد أن نضيف بنداً جديداً إلى الإقامة الذهبية، وهو منح المستثمر دورة تدريبية مجانية في فن الانتظار اللبناني، وتأمين كرسي مريح له أمام أي دائرة رسمية.
فهذه، على ما يبدو، التجربة الاستثمارية الوحيدة المضمونة في بلاد الأرز.




