رأي

إسرائيل ما بعد ترامب

أ. د. فيصل الشريفي – الجريدة:

عقود من الزمن والإعلام الغربي الموجَّه بالمال الصهيوني ينشر رواية مظلومية الشعب اليهودي على الرأي العام العالمي، إلا أن هذه الرواية فقدت تأثيرها أمام وسائل التواصل والتطبيقات الاجتماعية، مما أوجد معادلةً سمحت بتنوُّع مصادر الخبر. رغم أن معظم مُلاك القنوات الفضائية والمنصات والتطبيقات لديهم أجندات داعمة للكيان الصهيوني، ولديهم القدرة على حجب ومنع المعلومات التي تُدينه، فإنهم فشلوا في السيطرة على قناعات وأفكار الناس، بعدما سمح الإعلام الحديث للمستخدمين بتقديم محتوى بكلفة مالية بمتناول الجميع، وأحياناً كثيرة بتحقيق مردودٍ مادي لصُنَّاع المحتوى يزيد وفق عدد المشاهدات، خصوصاً إذا كان ذا قيمة. من اللافت أن مسارح الأحداث خلال العشرين سنة الماضية شهدت الكثير من الصراعات المثيرة للجدل، إلا أن منطقة الشرق الأوسط، وعلى وجه الخصوص منطقتنا العربية الصاخبة، حظيت باهتمام وتغطية إعلامية واسعة، رسمية، وغير رسمية، بسبب الأحداث المأساوية وتداعياتها على الساحتين الإقليمية والدولية. سأتجاوز تبعات ما يُسمَّى «الربيع العربي»، الذي دفعت فاتورته الشعوب، من دون أن يتحرَّك للعالم الغربي جفن، والذي كان يصب الزيت على النار في أحيان كثيرة، لكن عند غزة تغيَّر كل شيء. مجازر الإبادة ومشاهد الدمار التي ارتكبها الكيان الصهيوني وانتشارها بمواقع التواصل الاجتماعي كانت نتيجتها مظاهرات حاشدة شملت العديد من الولايات الأميركية والعواصم الأوروبية ضربت اللوبي الأميركي- الإسرائيلي في العُمق. هذا التحوُّل الشعبي الرافض للممارسات الإسرائيلية العنصرية، وللسياسات الأميركية الداعمة لإسرائيل عسكرياً، وإنفاقها المالي اللامحدود، أوجد طبقة جديدة من الساسة الأميركيين تبنَّت خطاباً مناهضاً للصهيونية ولسياسات الإدارة الأميركية الحالية. تغيُّر وتحوُّل قناعات المواطنين الأميركيين وعدم تصديقهم للرواية الصهيونية سمح للساسة الجُدد بالخروج من عباءة الأيباك وجماعات الضغط الموالية لإسرائيل، من خلال إعلانهم في حملاتهم الانتخابية ضرورة وقف الدعم المالي وتوجيهه للداخل الأميركي. هذا التحوُّل رمى بظلاله على الشارع الأميركي، خصوصاً عقب الحرب الإسرائيلية الأميركية- الإيرانية، بعدما أظهرت نتائج استطلاعات الرأي العام أن أكثرمن 60 في المئة من الشعب معارض لسياسة البيت الأبيض الداعمة للكيان الإسرائيلي. نتائج هذه التحوُّلات السياسية والشعبية أدركتها الحكومة الإسرائيلية، وقد أيقنت أن الدعم اللامحدود الذي يقدِّمه البيت الأبيض قد يتوقف في السنوات المقبلة، وربما في الأشهر القادمة، مع إمكانية وصول عددٍ أكبر من المناهضين لسياسة الحكومة الأميركية الحالية إلى مجلسَي النواب والشيوخ، لذلك بدأت تعمل على حزمة من الإجراءات لضمان استمرارها وتفوقها العسكري والاقتصادي. إسرائيل متى ما تيقنت من حدوث تحوُّل في السياسة الأميركية تجاهها، فإنها ستكشف عن أنيابها، ومع ذلك سوف تسعى بكل قوة إلى استغلال ما تبقى من فترة الرئيس ترامب لفرض الواقع الذي تريده على المنطقة، لعلمها أنه آخر رئيس من رؤساء الجزيرة. الخطر الإسرائيلي قد يتجاوز قطاع غزة وجنوب لبنان والجولان إلى ما هو أبعد من ذلك، خصوصاً بعد رفضها الخروج من تلك المناطق، بوضعها شروطاً تعجيزية يصعب تحقيقها، في ظل انتهاكاتها المستمرة وعدم احترامها للاتفاقات الدولية. ودمتم سالمين

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى