رأي

إذا كانت الولايات المتحدة منتصرة.. فلماذا تطلب المساعدة من الناتو؟

يبدو أن الحرب تسير وفق “فخ التصعيد” الذي طرحه المؤرخ روبرت بايب؛ فالقوة الأقوى تنتصر في المواجهة الأولى، لكن الصراع الحقيقي ينتقل إلى أماكن أخرى. ما هي؟

يريد دونالد ترامب أن يعلم الجميع أنه يحقق انتصارات ساحقة في الحرب مع إيران، إلى درجة أنه بات بحاجة إلى مساعدة حلف الناتو، وهو يحذر من أن مستقبل الحلف الغربي سيكون “سيئاً للغاية” إذا رفض أعضاؤه ذلك. وكان رد وزير الدفاع الألماني مقتضباً: هذه ليست حربنا.

في هذه الأثناء، تتكدس ناقلات النفط خارج مضيق هرمز، بينما تعد بريطانيا، بأسلوب غير مباشر، بمواصلة “دراسة” خياراتها. لقد أدرك ترامب أن بدء حرب دون تحالف من الدول الراغبة أسهل من إنهائها بوجوده.

إلى جانب بنيامين نتنياهو، بدأ الرئيس الأميركي بهجوم غير قانوني على إيران أسفر عن اغتيال المرشد الأعلى للبلاد. ومن خلال استهداف مواقع عسكرية مع تجنب منشآت النفط الرئيسية في جزيرة خارك، يوجه ترامب رسالة واضحة: بإمكان الولايات المتحدة تدمير الاقتصاد الإيراني، لكنها لم تتخذ القرار بعد.

إنه يُلمّح إلى أن الأمور ستزداد سوءاً ما لم تتفاوض طهران. لقد وقعت أحداث سيئة بالفعل. من بين هذه الأحداث إغراق فرقاطة إيرانية في المياه الدولية وتفجير مدرسة أسفر، بحسب التقارير، عن مقتل 168 شخصاً، معظمهم من الفتيات الصغيرات. لا عجب إذاً أن يتردد الحلفاء في خوض ما يسميه وزير الدفاع، بيت هيغسيث، بفخر “حرباً غير مقبولة سياسياً”.

تُدرك إيران أنها لا تستطيع هزيمة الولايات المتحدة في حرب تقليدية. لذا، تقوم استراتيجيتها على جعل الحرب غير قابلة للاستمرار، فتقوم بتوسيع نطاقها، من خلال مهاجمة القواعد العسكرية الأميركية في الخليج، وعرقلة حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز، وإحداث اضطرابات في أسواق الطاقة. وتحوّل هذه التداعيات الصراع العسكري إلى صراع سياسي. وتتمثل الاستراتيجية في إطالة أمد الحرب حتى تنهار التحالفات الأميركية.

يُجادل ترامب بأن الدول التي تعتمد على نفط الخليج يجب أن تُساعد في تأمين المضيق، لكن الكثيرين يتوخون الحذر، ولهم في ذلك كل الحق. ستتعرض السفن الحربية المرافقة لنيران الطائرات المُسيّرة والصواريخ والزوارق السريعة الإيرانية، فضلاً عن اضطرارها إلى عبور حقول الألغام، وستجد القوات البحرية المُشاركة نفسها في حرب غير شرعية.

يُمكن للولايات المتحدة أن تُحاول تأمين الملاحة عبر المضيق بمفردها، لكن القيام بذلك دون حلفائها التقليديين سيكشف عن عزلة واشنطن. كما يتعين على الأوروبيين الموازنة بين ردود الفعل الداخلية، وهي معضلة تُشاركها دول الخليج التي تجد نفسها عالقة بين تحالفاتها مع الولايات المتحدة والرأي العام.

يزداد الوضع تعقيداً مع “غزو إسرائيل” للبنان في محاولتها القضاء على حزب الله، حليف إيران. وبمجرد أن تمتد الحروب على جبهات متعددة، يفقد أي طرف السيطرة على التصعيد. وإذا انضم حلفاء طهران اليمنيون إلى القتال، فسيمتد الصراع من لبنان إلى الخليج وصولاً إلى البحر الأحمر. وكل جبهة حرب جديدة تزيد من حدة التوترات والمخاطر.

هذا الوضع ليس غريباً. يبدو أن الحرب تسير وفق “فخ التصعيد” الذي طرحه المؤرخ روبرت بايب؛ فالقوة الأقوى تنتصر في المواجهة الأولى، لكن الصراع الحقيقي ينتقل إلى أماكن أخرى، إلى أسواق النفط، وخطوط الملاحة، والتحالفات، والسياسة الداخلية.

بإمكان الولايات المتحدة أن تُلحق بإيران خسائر أكبر بكثير، لكن ذلك يُنذر بتفاقم التداعيات السياسية والاقتصادية التي تسعى طهران إلى إحداثها.

إن مطالبة ترامب للحلفاء بإعادة فتح مضيق هرمز لا تُشير إلى ضعف عسكري، بل تُظهر أن الحرب قد انتقلت إلى ساحة معركة تقل فيها أهمية القوة العسكرية.

المصدر: صحيفة “الغارديان” البريطانية

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى