رأي

أهمية الحوار في ترسيخ السلام.. “اليمن أولا”

كتب هشام العميسي في صحيفة الجزيرة.

ما يجري اليوم في جنوب اليمن ليس تطورا مفاجئا، بل هو نتيجة لتراكمات سياسية واحتقان امتد لعقود؛ بسبب عدم معالجة مسائل محورية تتعلق بالقضية الجنوبية بشكل جذري.

أدى ذلك إلى الدخول في منعطفات معقدة وفرص تم إهدارها، ووصولا إلى مسار تفاوضي امتد لأسابيع بين السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي والذي مني بالفشل.

خلال الشهر الماضي، حاولت الرياض احتواء التصعيد، إلا أن المجلس الانتقالي تبنى موقفا متشددا، رافضا أي تراجع، خصوصا بعد سيطرته على محافظتين محوريتين، هما حضرموت والمهرة. هذه السيطرة منحت المجلس شعورا بتفوق ميداني، دفعه إلى محاولة فرض أمر واقع جديد.

تسارعت الأحداث عندما أعلنت السعودية أن دولة الإمارات ضغطت على المجلس الانتقالي الجنوبي- الذي يطالب علنا باستقلال جنوب اليمن- لدفعه إلى تنفيذ عمليات عسكرية على الحدود الجنوبية للمملكة في حضرموت والمهرة، وهو ما اعتبرته الرياض “تهديدا للأمن القومي للمملكة”.

الانسحاب المادي لا يعني بالضرورة فك الارتباط؛ إذ يمكن للإمارات الاستمرار بسهولة في تحريك الخيوط واستثمار شبكات النفوذ التي بنتها خلال العقد الماضي، حتى بشكل غير مباشر عند الحاجة، ما يبرز خطر الانزلاق إلى حرب بالوكالة داخل حرب بالوكالة

وصعد رئيس مجلس القيادة الرئاسي خطواته بإلغاء اتفاق الدفاع مع الإمارات، والمطالبة بخروج قواتها، وفرض حصار لمدة 72 ساعة جوا وبرا وبحرا، وإعلان حالة طوارئ لمدة 90 يوما.

بدت الإمارات وكأنها فوجئت بهذه التطورات؛ فنفت الاتهامات، لكنها سارعت إلى إعلان سحب ما تبقى من قواتها لمكافحة الإرهاب من اليمن. أما رد المجلس الانتقالي الجنوبي فجاء متحديا، إذ وصف الضربات السعودية بأنها “إعلان حرب”، وأعلن من طرف واحد مرحلة انتقالية تتضمن استفتاء على تقرير المصير خلال عامين، ما ضاعف منسوب الفوضى.

الخلاف ليس جديدا، لكن انفجاره العلني هو الجديد. فلطالما ركزت السعودية على مواجهة تقدم الحوثيين في الشمال والحفاظ على وحدة اليمن، بينما عملت الإمارات على بناء نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي في الجنوب، وتسليحه لفرض السيطرة على محافظات شرقية إستراتيجية مثل حضرموت والمهرة، ممهدة ضمنيا لتمكينه من ترسيخ سلطته وصولا إلى إعلان دولة مستقلة على غرار ما كان قائما قبل وحدة عام 1990 بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي) والجمهورية العربية اليمنية (اليمن الشمالي).

وتعتمد الإستراتيجية الإماراتية- القائمة على تأمين النفوذ البحري والمكاسب الاقتصادية- على رهانات قصيرة الأمد، في حين ترى الرياض- التي تخشى أن يؤدي الانفصال الجنوبي إلى إضعاف الحكومة المركزية- في ذلك تهديدا مباشرا لأمن حدودها ونطاق نفوذها الإقليمي.

ومع تسارع التطورات الميدانية وبدء هجوم عسكري واسع ضد المجلس الانتقالي الجنوبي، أعلنت الإمارات أنها أكملت الانسحاب الكامل لقواتها. غير أن تقييم مدى الالتزام بهذا الانسحاب يظل صعبا في غياب آليات رقابة واضحة أو إشراف من حكومة لا يكاد يكون لها حضور يذكر في المناطق الخاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي.

فضلا عن ذلك، فإن الانسحاب المادي لا يعني بالضرورة فك الارتباط؛ إذ يمكن للإمارات الاستمرار بسهولة في تحريك الخيوط واستثمار شبكات النفوذ التي بنتها خلال العقد الماضي، حتى بشكل غير مباشر عند الحاجة، ما يبرز خطر الانزلاق إلى حرب بالوكالة داخل حرب بالوكالة.

في تقديري، سعى المجلس الانتقالي إلى محاصرة الحكومة اليمنية والتي كانت تعاني من تحديات متعددة في ظل أزمة اقتصادية وخدمية خانقة، مستغلا أيضا الانقسامات والاختلالات داخل المجلس الرئاسي، ودفعها هي والسعودية إلى معادلة سياسية جديدة يضع فيها شروطه، تمهيدا للمضي قدما في مشروع الاستقلال في جنوب البلاد.

غير أن هذه المقاربة التصعيدية اصطدمت بسقف سعودي واضح، خصوصا عندما بدأت الإمارات بتعزيز دعمها للمجلس عبر إرسال مزيد من الأسلحة والمركبات إلى مدينة المكلا على ساحل حضرموت.

عند هذه النقطة، وصلت الرياض إلى ما يمكن وصفه بلحظة الكسر. فالتدخل الإماراتي المباشر اعتبر تجاوزا للخطوط الحمراء، ما دفع السعودية إلى إعطاء الضوء الأخضر لحملة عسكرية تهدف إلى استعادة تلك المناطق، وإنهاء الوضع الميداني الذي حاول المجلس الانتقالي ترسيخه بالقوة.

على الأرض، شهدنا خلال الساعات الأخيرة تحولات حادة في موازين السيطرة. فقد اضطر المجلس الانتقالي إلى الانسحاب من عدة مدن رئيسية كان يسيطر عليها منذ أسابيع، قبل أن يدفع خارج المدن الساحلية، التي كانت تمثل آخر معاقله في حضرموت والمهرة.

وهذا يفتح سؤالا جوهريا حول المرحلة المقبلة: هل ستكتفي القوات الحكومية باستعادة هاتين المحافظتين، أم إنها ستسعى إلى استثمار الزخم العسكري والدعم الجوي للتحالف بقيادة السعودية للتقدم نحو محافظات أخرى يسيطر عليها المجلس الانتقالي، بهدف إعادة رسم الخريطة العسكرية والسياسية للجنوب بالكامل؟

ما يزيد من هشاشة موقف المجلس الانتقالي اليوم هو انسحاب القوات الإماراتية وغياب الغطاء الجوي الذي كان عنصرا حاسما في تفوقه السابق. هذا التحول يقلص خياراته الميدانية، ويضعه في موقع دفاعي لم يكن معتادا عليه خلال الأسابيع الماضية.

في هذا السياق، طرح المجلس الانتقالي فكرة إجراء استفتاء على استقلال الجنوب خلال عامين. غير أنني أرى هذا الطرح لا يحظى حاليا بأي قبول حقيقي، لا داخليا ولا إقليميا ولا دوليا.

كما أن الحديث عن حوار شمال- جنوب أو عن دعم دولي لاستفتاء تقرير مصير يفتقر إلى أي مؤشرات عملية على الأرض، وخصوصا في ظل التطورات الأخيرة.

ما يحدث فعليا هو أن التحالف والحكومة يفرضان الآن معادلة جديدة بالقوة بسحب البساط السياسي والشعبي من تحت المجلس الانتقالي من جهة، وتقويض تحركاته وحضوره الميداني والعسكري من جهة أخرى.

ورغم إقراري بأن للقضية الجنوبية جذورا مشروعة تعود إلى حرب 1994، وأن مطالب الجنوبيين ليست بلا أساس، فإن هذا التصعيد العسكري يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى صراع يعاني أصلا من تشابكات داخلية وإقليمية عميقة. والنتيجة هي مزيد من التمزق في النسيج الاجتماعي اليمني، ومشهد أكثر استعصاء على أي حل مستدام.

وقد حذر الاتحاد الأوروبي وجهات دولية أخرى من أن هذه التطورات قد تزعزع استقرار الخليج بأكمله، مع احتمال امتدادها إلى صراعات أوسع تشمل إيران، التي تواصل تسليح الحوثيين. وقد ترى طهران في هذا الاضطراب فرصة لتعزيز دعمها للحوثيين، وهم الطرف الأكثر استفادة من هذا الوضع.

ومع دخول عام 2026، يتعين على المجتمع الدولي أن يطالب بأكثر من عبارات إنشائية. فجهود الأمم المتحدة محل تقدير، لكنها تبقى غير كافية ما لم تقرن بالضغط على القوى الإقليمية في إعطاء الأولوية للمصالح اليمنية، ودعم مفاوضات سلام حقيقية وشاملة.

إن دعوة الحكومة إلى عقد مؤتمر لمعالجة القضية الجنوبية ودعم السعودية لها خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تحتاج في نهاية المطاف إلى التوسع لتشمل سائر القوى، بهدف التفاوض حول القضايا الوطنية الأخرى وشكل الدولة ككل، بعيدا عن الوصاية الخارجية. وإلا فإن حرب اليمن- التي تجاوز عمرها عقدا- ستستمر، ولن يستفيد منها سوى تجار الحروب والمصالح الضيقة.

تجاوز التحديات الراهنة وترسيخ السلام المستدام ممكن وليس بعيد المنال كما قد يظن البعض، لكن يجب تغليب لغة الحوار على المواجهة، والاستعانة بدبلوماسية تضع اليمنيين في المقام الأول والأخير.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى