رأي

أوروبا تتخذ منحى براغماتياً تجاه الصين

كتبت مايا ماجيوران, في صحيفة “تشاينا دايلي”:

التقارب الأوروبي-الصيني يرتكز على التعددية القطبية والتعاون العملي، بهدف بناء نظام دولي أكثر توازناً يتيح فرصاً للتنمية المشتركة ويعزز الاستقرار العالمي.

تعكس الزيارات المتتالية لقادة أوروبيين إلى بكين توجهاً متجدداً نحو تعزيز الانخراط والحوار والتعاون العملي بين أوروبا والصين. ويشير هذا الحراك السياسي رفيع المستوى إلى إرادة متزايدة لدى الطرفين لإدارة الخلافات عبر القنوات الدبلوماسية، وتثبيت العلاقات على قاعدة المصالح الاقتصادية والمؤسسية المشتركة.

وبالنسبة للعواصم الأوروبية، يندرج هذا الانخراط في إطار مسعى أوسع لتنويع الشراكات الدولية، وصون استقلالية القرار، وتفادي الانخراط في اصطفافات جيوسياسية جامدة تقوم على منطق المحصلة الصفرية.

من جهة بكين، يندرج تعميق التواصل مع أوروبا ضمن تأكيد التزامها بالتعددية، في مرحلة تتعرض فيها منظومات الحوكمة العالمية لضغوط متزايدة. ويعكس هذا التوجه حرص الصين على حماية التجارة الحرة، ودعم المؤسسات الدولية، وتعزيز التعاون مع أوروبا في مواجهة التحديات العابرة للحدود، من التغير المناخي والتمويل الأخضر، إلى المعايير الصناعية وتعزيز مرونة سلاسل التوريد.

ويُنظر إلى الجهود الرامية لتحقيق استقرار في العلاقات الأوروبية – الصينية، عبر الحوار والتعاون العملي واحترام المصالح المتبادلة، بوصفها تطوراً إيجابياً على مستوى النظام الدولي. ففي عالم يتسم بالتشرذم وعدم اليقين، يبرز تجديد التعاون كدليل على استمرارية العمل الدولي وأهميته في بناء نظام أكثر توازناً وقدرة على الصمود.

لطالما شكّل التحالف عبر الأطلسي ركناً أساسياً في بنية السياسة العالمية. غير أنّ التحولات الراهنة، في ظل الصراعات داخل أوروبا، والتباطؤ الاقتصادي، وتنامي التساؤلات حول التبعيات الاستراتيجية بعيدة المدى، تدفع العواصم الأوروبية إلى إعادة تقييم ضرورية.

ولا تعني هذه المراجعة القطيعة مع الحلفاء التقليديين، بل إقراراً بأن محوراً جيوسياسياً واحداً لم يعد قادراً على استيعاب تعقيدات القرن الحادي والعشرين.

ينطلق هذا التحول من مقاربة براغماتية، إذ تتشابك المصالح الاقتصادية الأوروبية، ومستقبلها التكنولوجي، ودورها العالمي، بصورة متزايدة مع شركاء متنوعين في أوراسيا والجنوب العالمي.

وتستدعي إدارة هذه الشبكة من العلاقات قدراً أعلى من المرونة، وحواراً دائماً، واستعداداً لتجاوز الأطر التقليدية للتحالفات، في ظل تشتت مراكز القوة العالمية وتراجع القدرة على التنبؤ بمساراتها.

وفي صلب هذا المسار، يبرز التقارب حول مفهوم التعددية القطبية، ليس بوصفه شعاراً دبلوماسياً، بل تعبيراً عن تحول بنيوي في توزيع النفوذ الدولي.

فهو يتصور عالماً يتوزع فيه التأثير على نطاق أوسع، من دون احتكار جهة واحدة لوضع القواعد، أو رهن فرص التنمية والازدهار بمعادلات الهيمنة العسكرية أو الإرث التاريخي.

من هذا المنطلق، تكتسب العلاقات الأوروبية – الصينية بعداً يتجاوز الإطار الثنائي. فبالنسبة لأوروبا، يشكل التعاون مع الصين رافعة لمسار الاستقلال الاستراتيجي عبر توسيع الخيارات الدبلوماسية وتنويع الشراكات الاقتصادية، وترسيخ مبدأ أن الحوكمة العالمية تُبنى بالحوار لا بسياسات التكتلات.

أما الصين، فيعزز انخراطها الأوروبي تركيزها على التعددية، والإصلاح المؤسسي، والتنمية الشاملة، في وقت تواجه فيه الآليات الدولية القائمة تحديات متزايدة.

ولا يهدف هذا التعاون إلى بناء محاور في مواجهة أطراف أخرى، بقدر ما يسعى إلى الإسهام في بلورة نظام دولي أكثر توازناً، يعترف بتعدد مراكز النفوذ، ويشجع على تقاسم أعباء الاستقرار والنمو والتنمية على المستوى العالمي.

بالنسبة لأوروبا، يبرز رهان واضح: ففي عالم متعدد الأقطاب، يمكن للاتحاد الأوروبي، إذا ما حافظ على تماسكه، أن يطمح إلى لعب دور قطب فاعل بحد ذاته، قادر على التأثير في المسارات الدولية لا الاكتفاء بالتفاعل معها.

ويتوقف تحقيق ذلك على قدرة أوروبا على تحويل ثقلها الاقتصادي ونفوذها التنظيمي وحضورها الدبلوماسي إلى فاعلية استراتيجية حقيقية، تسمح لها بالتعامل مع شركاء رئيسيين، وفي مقدمهم الصين، على أساس المصالح المتبادلة والمساواة، لا التبعية.

وعلى مدى سنوات، أدرجت بكين في خطابها السياسي مفاهيم مثل “مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية” والنظام العالمي متعدد الأقطاب.

ورغم ما قوبلت به هذه الطروحات من تشكيك في بعض الأوساط الغربية، إلا أنها تُقرأ في أماكن أخرى بوصفها محاولة لفهم عالم ما بعد القطب الواحد، حيث تراجعت الهيمنة المطلقة التي أعقبت الحرب الباردة، وتقلصت شهية الصراع الحاد بين القوى الكبرى.

وقد وجدت الدعوة الصينية إلى تقاسم أوسع لفرص التنمية صدى متزايداً خارج نطاق الجنوب العالمي، بما في ذلك داخل أوروبا نفسها، حيث تنامى الوعي بالاختلالات الدولية، وتزايدت الرغبة في شراكات اقتصادية ودبلوماسية مستقرة ومتنوعة.

ويرتكز هذا التصور على مبدأ “الربح للجميع”، وعلى افتراض أن التعاون في مواجهة التحديات المشتركة، من التحول الأخضر إلى الحوكمة الرقمية، يمكن أن يحقق منافع متبادلة ويعزز الاستقرار. والغاية المعلنة ليست تحقيق مكاسب أحادية، بل الوصول إلى نتائج تدعم الابتكار، وتعزز المرونة، وتخدم توازن النظام الدولي الأوسع.

ويتجسد هذا النهج في مبادرات عملية، من المشاريع المشتركة في مجال الطاقة المتجددة، إلى الاستثمارات المنسقة في البنى التحتية ضمن أسواق ثالثة، في محاولة لإثبات أن القوى الكبرى ليست محكومة بالتنافس الدائم، بل قادرة أيضاً على الشراكة في مواجهة التحديات طويلة الأمد.

وينطلق هذا المسار من قناعة بأن التنمية العالمية ليست لعبة محصّلتها صفر، وأن الازدهار ليس مورداً محدوداً، بل عملية يمكن توسيعها عبر نمو مترابط واحترام تنوع مسارات التنمية.

وفي عالم لم يعد ثنائياً، بل يتسم بتعدد مراكز النفوذ، من الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي، إلى الهند وروسيا وقوى إقليمية صاعدة كالبرازيل والاتحاد الأفريقي، تتسع هوامش الحركة أمام الدول المتوسطة والصغيرة، رغم تعقّد المشهد الدبلوماسي.

من هنا، لا يمكن اختزال التبادلات رفيعة المستوى بين أوروبا والصين في بعدها البروتوكولي، بل تمثل خطوات عملية للتكيف مع واقع دولي جديد. وهي تعكس قناعة بأن الانخراط، على الرغم من تعقيداته، يظل خياراً أكثر جدوى من الاحتواء أو المواجهة، وبأن النظام الدولي المقبل لن يُصاغ بإرادة دولة واحدة، بل عبر تفاعلات متعددة ومتداخلة.

ولم تعد الدعوة إلى عالم أكثر تعددية وعدالة فكرة هامشية، بل باتت سمة أساسية من سمات السياسة العالمية الراهنة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى