خاصأبرزرأي

هل تمهّد إسرائيل لفرض معادلة التنسيق الأمني؟

حسين زلغوط, خاص ـ “رأي سياسي”:

لم يكن استهداف الآلية التابعة للجيش اللبناني في منطقة الخردلي، يوم السبت الفائت، حدثاً عسكرياً عادياً يمكن وضعه في خانة الأخطاء الميدانية أو الالتباس الناتج عن ظروف الحرب. فالتبرير الإسرائيلي الذي أعقب الغارة، والقائم على القول إن الجيش اللبناني كان يفترض أن ينسّق مسبقاً حركة آلياته، ويبلغ القوات الإسرائيلية بمرورها في المنطقة، فتح الباب أمام تساؤلات سياسية واستراتيجية تتجاوز الحادثة نفسها إلى ما قد يكون محاولة لفرض قواعد اشتباك جديدة على لبنان في المرحلة المقبلة.

فاللافت أن الرواية الإسرائيلية لم تكتفِ بالحديث عن “اشتباه” أو “خطأ في التقدير”، بل ذهبت أبعد من ذلك عندما ربطت حركة الجيش اللبناني بضرورة الإخطار المسبق والتنسيق في منطقة تعتبرها منطقة عمليات عسكرية. وهذه المقاربة تحمل في طياتها دلالات تتجاوز البعد الأمني المباشر، إذ توحي وكأن إسرائيل تسعى إلى تكريس واقع ميداني يمنحها حق الإشراف أو الاطلاع المسبق على تحركات المؤسسة العسكرية اللبنانية داخل الأراضي اللبنانية نفسها.

ومن الناحية السياسية، تبدو هذه المقاربة جزءاً من مسار أوسع تسعى إسرائيل إلى ترسيخه منذ اندلاع الحرب، يقوم على نقل العلاقة من مرحلة المواجهة العسكرية التقليدية إلى مرحلة ترتبط بترتيبات أمنية طويلة الأمد. فكلما تعاظم الحديث عن مفاوضات أو ترتيبات ما بعد الحرب، برزت محاولات لفرض وقائع ميدانية تتحول لاحقاً إلى مطالب سياسية أو أمنية على طاولة التفاوض.

وفي هذا السياق، قد يُقرأ استهداف الجيش اللبناني على أنه رسالة مزدوجة. الرسالة الأولى موجهة إلى الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية، ومفادها أن أي نشاط عسكري أو أمني في مناطق معينة يجب أن يأخذ في الاعتبار الحسابات الإسرائيلية. أما الرسالة الثانية، فتتعلق بالمرحلة اللاحقة للحرب، حيث تسعى إسرائيل إلى تكريس مفهوم التنسيق الأمني المباشر أو غير المباشر باعتباره أمراً واقعاً لا يمكن تجاوزه.

غير أن هذا الطرح يصطدم بإشكالية جوهرية تتمثل في أن الجيش اللبناني يمثل رمز السيادة الوطنية، وأي قبول بمنطق إبلاغ قوة أجنبية مسبقاً بتحركاته داخل أراضيه من شأنه أن يثير إشكالات سياسية ودستورية كبيرة. لذلك، فإن ما تطرحه إسرائيل، سواء جاء بصورة مباشرة أو عبر تبريرات ميدانية، لا يمكن فصله عن محاولة إعادة رسم حدود الدور الذي تضطلع به الدولة اللبنانية في الجنوب.

وفي المقابل، لا يبدو أن لبنان الرسمي مستعداً للذهاب نحو أي صيغة يمكن أن تُفسَّر على أنها انتقاص من صلاحيات الجيش أو من سيادة الدولة. ولذلك، فإن الجدل الذي أثارته الحادثة لن يقتصر على تحديد المسؤوليات العسكرية، بل سيتحول إلى نقاش أوسع حول طبيعة المرحلة المقبلة وحدود العلاقة الأمنية التي تريد إسرائيل فرضها على لبنان.

وعليه، فإن استهداف الآلية العسكرية لا يبدو مجرد حادث أمني عابر، بل محطة تحمل أبعاداً سياسية تتصل بشكل مباشر بمستقبل الجنوب اللبناني وبالمعادلات التي قد تحاول إسرائيل تكريسها بعد انتهاء العمليات العسكرية. ومن هنا تكتسب الحادثة أهميتها الاستثنائية، لأنها تطرح سؤالاً بالغ الحساسية: هل كان الهدف إصابة آلية عسكرية فحسب، أم توجيه رسالة تمهّد لفرض واقع أمني جديد على لبنان؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى