مصر تدق ناقوس الخطر: رسالة السيسى إلى ترامب

أسامة سرايا – بوابة الأهرام:
فى كلمته أمام مؤتمر «إيجبس» السنوى للطاقة، وفى وقت تقف فيه المنطقة على حافة هاوية، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسى نداء إنسانيا عاجلا إلى الرئيس ترامب، قال فيه بوضوح: «لا أحد يمكنه إيقاف الحرب الجارية إلا فخامتكم، وأحدثكم باسمى واسم الإنسانية ومحبى السلام، من فضلك ساعدنا فى إيقاف هذه الحرب، فأنت قادر على ذلك».
لم تكن هذه الكلمات فقط موقفا دبلوماسيا واضحا، بل كانت أيضا ناقوس خطر، يحذر من كارثة اقتصادية وإنسانية متكاملة، تهدد بابتلاع المنطقة بأسرها.
لماذا هذا المنبر وفى هذا التوقيت؟
اختار السيسى بحكمة بالغة منبر «إيجبس» -المؤتمر الذى يجمع أكثر من 500 شركة عالمية و350 متحدثا دوليا من عمالقة صناعة الطاقة، ليكون مسرحاً لرسالته.
لم تكن رسالة السيسى موجهة فقط إلى البيت الأبيض، بل كانت دعوة صريحة للمجتمع الدولى كافة، وخصوصا القوى الكبرى، للتحرك السريع والجاد، فالحضور الدولى الرفيع فى المؤتمر – من رؤساء منظمات دولية وقادة كبرى شركات الطاقة – استمع إلى رسالة واضحة: حماية الاقتصاد هى حماية للأمن القومى، ليس لمصر فحسب، بل للعالم.
كل يوم يمر دون تهدئة يعنى خسائر اقتصادية وبشرية إضافية تعويق مسيرة التنمية وتقوض استقرار المنطقة لعقود مقبلة.
هذا التوقيت المحسوب بدقة لم يكن مصادفة، فالمنطقة على مشارف منحدر لا عودة منه، والحرب تهدد بالانزلاق إلى توسع لا يحصى، بينما يتابع العالم بقلق متصاعد تداعياتها.
أمام هذا الحشد الضخم من أصحاب المصالح العابرة للقارات – والذين يعنيهم بشكل مباشر استقرار أسعار الطاقة وحركة الأسواق العالمية – أصبح الربط بين «وقف الحرب» و«حماية الاقتصاد»، هو الرسالة الأوضح والأقوى، فخلف هذا النداء الإنسانى تكمن حقيقة إستراتيجية مريرة: مصر والمنطقة تدفعان ثمنا باهظا لحرب ليستا طرفا مباشرا فيها.
استمرار الصراع العسكرى يعنى ارتفاعا جنونيا فى أسعار الطاقة والغذاء على مستوى العالم، واضطرابا خطيرا فى سلاسل الإمداد الدولية، وانهيارا فى حركة السياحة والتجارة، وكل ذلك ينعكس مباشرة على موازنات الدول ومعيشة الملايين.
تلك المعادلة لا تخدم سوى أعداء الاستقرار؛ لذا كان لزاما على السيسى أن يُذكر العالم بأن السلام ليس رفاهية، بل ضرورة حياتية للبقاء والازدهار.
هذا الموقف ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لإرث تاريخى راسخ فى دبلوماسية مصر، فهى دوما صوت العقل والاعتدال فى المنطقة، الساعى إلى إطفاء الحرائق قبل أن تلتهم الأخضر واليابس.
الدور المصرى الحالى يمتد من القاهرة إلى باكستان، فى جهد دبلوماسى متكامل يهدف إلى وقف الحرب ودعم الأشقاء فى الخليج والأردن والعراق ولبنان، مع ثبات الموقف الداعم لغزة وقضيتها العادلة.
إن مصر تدرك جيدا أن الاستقرار الإقليمى شرط لا غنى عنه للنهوض بشعوب المنطقة، وأن أى تنمية اقتصادية مستدامة لا يمكن أن تُبنى على ركام الحرب.
واستكمالا لهذا الدور، فقد أظهر السيسى براعة إستراتيجية فى صياغة ندائه، وخاطب البعد النفسى لدى الرئيس ترامب، مقدما له فرصة ذهبية ليصبح «صانع السلام» و«رجل الإطفاء» الذى يخمد الحرائق ويُخلد اسمه فى التاريخ كما يريد.
هذا الأسلوب يلعب على وتر الإرث التاريخى، الذى يسعى إليه أى رئيس أمريكى، ويحوّل الضغط الدولى إلى حافز شخصى لإتمام وقف النار، وهو ما أثبت فاعليته فى ملفات دولية سابقة.
فى نهاية المطاف، قالت مصر كل شيء فى رسالتها: إنها مع إخوتها العرب رغم أنها ليست طرفا فى الصراع، لكنها تقف بقوة مع وقف الحرب وإنهاء المعاناة.
لقد فعلت مصر – كعادتها – ما تستطيع فعله وأكثر.
رسالة الرئيس السيسى تمثل خط الدفاع الأول عن مقدرات الشعب المصرى والشعوب العربية، وتعكس فهما عميقا لحقيقة أن السلام والاستقرار الإقليمى ليسا ترفا دبلوماسيا، بل ضرورة وجودية لأمن الأمة وازدهارها.
فى زمن الحروب والصراعات، ستبقى مصر منارة السلام والحكمة، وصوت العقل الذى يدعو العالم إلى التوقف قبل فوات الأوان، لأنه ببساطة: لا يمكن بناء مستقبل بينما تُدمر الحرب الحاضر.




