شؤون دولية

في سوريا… الاقتصاد يقود السياسة

إذا نجحت رؤية الرياض وأبوظبي فإن سوريا لن تكون مجرد دولة تتعافى من حرب أهلية، بل قد تصبح محوراً أساسياً في بنية إقليمية جديدة.

علي قاسم – العرب:

في الرابع عشر من أيار/مايو 2025، شكّل حضور ثلاثة زعماء في الرياض أمام كاميرات العالم حدثاً استثنائياً: الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس السوري أحمد الشرع. المشهد اكتسب بعداً رمزياً قبل أن يكون سياسياً؛ فالرجل الذي كان حتى وقت قريب موضع خصومة دولية يجلس إلى طاولة واحدة مع واشنطن والرياض، في حضور الشريك الخليجي الأكبر للولايات المتحدة. لم يكن ذلك مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل إشارة إلى إعادة رسم ملامح تاريخ المنطقة.

منذ تلك اللحظة، بدا أن المنطقة تشهد دينامية جديدة لم تعرفها سوريا منذ عقود. والسؤال الذي يفرض نفسه بعيداً عن التفاؤل المفرط أو التشاؤم المسبق هو: هل تمتلك دمشق ما يكفي لتحويل هذه الرياح إلى أشرعة تدفعها نحو الاستقرار، أم أن ما جرى سيظل مجرد عاصفة عابرة؟

لا يمكن فهم ما يجري في سوريا اليوم دون إدراك حجم التحول الذي حدث في وقت قياسي. فمنذ عام 1979، وضعت الولايات المتحدة سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب، وتوالت العقوبات عبر إدارات ريغان وبوش وأوباما. ثم جاء قانون قيصر عام 2019 ليُحكم الخناق حتى على الكيانات غير السورية التي تتعامل مع دمشق، ما جعل سوريا عملياً خارج النظام المالي الدولي طوال عهد الأسد.

رحيل الأسد ووصول أحمد الشرع إلى السلطة قلب المعادلة. فقد أعلنت واشنطن تخفيف العقوبات تدريجياً، وصرّح المبعوث الأميركي الخاص توم باراك بأن الخطوة تهدف إلى منح القيادة الجديدة “فرصة”، مؤكداً أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى فرض نموذج ديمقراطي بعينه، بل إلى دعم مسار إعادة البناء. وأعقب ذلك رفع جزئي للعقوبات الأممية، وانفتاح أوروبي تجلّى في إعادة تفعيل قنوات التعاون التي كانت مجمّدة منذ عقود.

محللون في الشأن الشرق أوسطي لخصوا المشهد باعتباره بداية مرحلة جديدة، حيث تستفيد سوريا من التطبيع العربي المتسع، والانخراط التركي المتزايد، والقبول الأميركي المتنامي لإعادة إدماجها إقليمياً. هذا التوافق النادر بين واشنطن والرياض وأنقرة والدوحة حول مصلحة واحدة – استقرار سوريا – يُعد بحد ذاته ظاهرة تستحق التأمل.

هل تمتلك دمشق ما يكفي لتحويل رياح التغيير إلى أشرعة تدفعها نحو الاستقرار أم أن ما جرى سيظل مجرد عاصفة عابرة؟

وإذا كان القرن الماضي قد علّم المنطقة شيئاً، فهو أن العقوبات وحدها لا تبني دولاً، وأن رفعها وحده لا يكفي أيضاً. الذي يبني الدول هو الاستثمار والمشاريع والوظائف. وهنا تبدأ القصة السورية في أخذ أبعاد جديرة بالاهتمام.

رغم محدودية التدفقات الاستثمارية الفعلية إلى سوريا، برزت تصريحات لافتة من رجال أعمال إقليميين حول مشاريع إعادة الإعمار. فقد أعلن أحمد العبار، رئيس شركة إعمار الإماراتية، عن نية استثمار 7 مليارات دولار في الساحل السوري و12 مليار دولار في دمشق، وهي أرقام بقيت في إطار الخطط المعلنة ولم تتحول إلى تدفقات مالية فعلية. كما تحدثت السعودية عن نوايا استثمارية واسعة في قطاعات الطاقة والعقارات والسياحة، في إطار إعادة إدماج سوريا اقتصادياً ضمن محيطها العربي، لكن هذه التوجهات بقيت حتى الآن في مرحلة الوعود ولم تُترجم إلى مشاريع ملموسة على الأرض. هذه التصريحات، وإن لم تتحقق بعد، تعكس تحوّلاً في الخطاب الإقليمي من منطق المساعدات الإنسانية إلى منطق الاستثمار الاستراتيجي، بما يربط مستقبل سوريا بالمصالح الاقتصادية لشركائها الدوليين والإقليميين.

ما يمنح الملف السوري طابعاً خاصاً هو الموقع الجغرافي الذي كان لعقود عبئاً وقد يتحول اليوم إلى فرصة. الفرص تمتد عبر قطاعات الطاقة والعبور والزراعة والموارد الطبيعية، فيما تبرز مبادرات إقليمية مثل مشروع نقل النفط العراقي نحو موانئ البحر المتوسط عبر سوريا كمؤشر على الدور الاستراتيجي المحتمل لدمشق.

تتصور الرياض سوريا جزءاً من نظام إقليمي جديد تقوده الدول الخليجية، يضخ فيه رأس المال الخليجي والخبرة الإماراتية والدعم الأميركي لبناء منظومة اقتصادية متكاملة تمتد من الخليج إلى المتوسط. إذا نجحت هذه الرؤية، فإن سوريا لن تكون مجرد دولة تتعافى من حرب أهلية، بل قد تصبح محوراً أساسياً في بنية إقليمية جديدة.

الدبلوماسية الأميركية تجاه سوريا في السنوات الأخيرة ركزت على ملفات محددة، أبرزها مكافحة الإرهاب ومنع عودة تنظيم داعش، إلى جانب تسهيل وصول المساعدات الإنسانية وضمان عدم عرقلتها. كما شددت واشنطن على ضرورة الانفتاح السياسي عبر خطوات إصلاحية تشمل العملية الدستورية تحت رعاية الأمم المتحدة، وإيجاد بيئة آمنة لعودة اللاجئين. هذه المطالب، وإن اختلفت في صعوبتها، تعكس أولويات أميركية عملية: مكافحة الإرهاب مصلحة سورية قبل أن تكون أميركية، بينما الإصلاح السياسي والملف الإنساني يواجهان تعقيدات داخلية وإقليمية تجعل تنفيذهما أكثر بطئاً.

اللافت أن واشنطن في هذه المرحلة تبنّت مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على تخفيف الضغط عبر التركيز على مكافحة الإرهاب وتسهيل المساعدات الإنسانية، بدل الإصرار على شروط سياسية مسبقة. مسؤولون أمريكيون أوضحوا أن الهدف ليس امتلاك ورقة ضغط على دمشق، بل اختبار استعدادها للانخراط في مسار أكثر استقراراً. هذا النهج — ترك الباب مفتوحاً بانتظار ما يمكن أن يدخل منه — يعكس براغماتية تتجاوز إيديولوجيا التغيير بالقوة.

إذا كان القرن الماضي قد علّم المنطقة شيئاً فهو أن العقوبات وحدها لا تبني دولاً وأن رفعها وحده لا يكفي أيضاً. الذي يبني الدول هو الاستثمار والمشاريع والوظائف

والأهم أن هذا الانخراط الدولي يحمل معه إدراكاً متزايداً بأن استقرار سوريا بات مصلحة عالمية. تقارير أممية ودولية شددت على أنه “لا توجد خطة بديلة” لمسار إعادة بناء الدولة، وأن فشل الحكومة الجديدة ستكون له تداعيات مباشرة على الأمن الإقليمي والدولي. هذا الوعي — أن سقوط التجربة السورية ليس خسارة محلية فقط — يمنح دمشق رصيداً دبلوماسياً لم تمتلكه منذ عقود.

في الداخل، يعمل البنك المركزي السوري على إعادة بناء نظام مالي يعاني من شح السيولة، مع محاولات لإعادة ربط النظام المصرفي بالقنوات الدولية، ولو بشكل محدود. الحكومة بدأت إشراك قطاع الأعمال والأكاديميين والمجتمع المدني والإعلام في صياغة السياسات، في محاولة لتعزيز الشفافية والمساءلة. هذه ليست إصلاحات مفروضة من الخارج، بل محاولة لإعادة تعريف العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع.

كما خُطط لإجراء انتخابات تشريعية في أكتوبر 2025، في خطوة تهدف لترسيخ التحول من حكم الحرب إلى حكم المؤسسات. وعلى الصعيد الدولي، كان حضور الرئيس الشرع في الأمم المتحدة في سبتمبر 2025 حدثاً رمزياً، إذ مثّل أول خطاب سوري في الجمعية العامة منذ عقود، وأُعتبر إعلاناً لنهاية حقبة وبداية أخرى.

التاريخ لا يمنح الدول الخارجة من الحروب نجاحاً سريعاً. ما يجعل التجربة السورية تستحق الاهتمام ليس تجاوزها التحديات — فالبنية التحتية ما زالت مدمرة، والتعقيدات الأمنية قائمة، وتكاليف إعادة الإعمار تُقدَّر بين 140 و345 مليار دولار وفق البنك الدولي — بل لأنها تحظى لأول مرة منذ زمن طويل بإجماع دولي وإقليمي على دعم مسارها.

الشرط الأساسي للنجاح ليس وفرة المال، بل وحدة الرؤية والمؤسسات القادرة على تحويلها إلى واقع. خبراء الاقتصاد يؤكدون أن المؤشر الحقيقي لن يكون في المؤتمرات أو مذكرات التفاهم، بل في التحولات البنيوية التي تنتج وظائف حقيقية وبنية تحتية فاعلة ومؤسسات موثوقة. التجربة بدأت، والعالم يراقب – لكن هذه المرة، وللمرة الأولى منذ زمن طويل، يراقب وهو يتمنى النجاح لا ينتظر الفشل.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى