عند انسحاب واشنطن من أفغانستان دخلت الصين.. فكيف تسير الأمور؟

تناول موقع “Responsible Statecraft” في تقرير، العلاقات بين الصين وحركة طالبان، بعد عودة الأخيرة إلى السلطة في أفغانستان عام 2021، معتبراً أن بجين كانت على جهوزية لـ “استغلال الواقع الجديد في كابول”.
وذكر الموقع أن الصين أبقت سفارتها مفتوحة في العاصمة الأفغانية، وحافظت على علاقات مباشرة مع قادتها، ووسعت التعاون السياسي والأمني، حيث أصبح شي جين بينغ أول رئيس دولة يقبل أوراق اعتماد سفير معين من قبل طالبان، في كانون الثاني/ يناير من عام 2024.
وتسعى بجين، بحسب التقرير، إلى الحصول على ضماناتٍ بأن الأراضي الأفغانية لن تُصبح منطلقاً لشنّ هجماتٍ على الصين أو قاعدةً لـ “الجماعات المسلحة” المُعادية للمصالح الصينية.
ولفت الموقع إلى أن سلطات طالبان كانت قد قيّدت أنشطة “مُسلحي الإيغور”، ونقلت المُقاتلين المُنتسبين إلى “الحزب الإسلامي التركستاني” بعيداً عن الحدود الأفغانية الصينية.
من جهة، تنظر بجين إلى طالبان بوصفها شريكاً ضرورياً لمكافحة الإرهاب ضد “داعش-خراسان”، ومن جهة أخرى، كشف التنظيم الأخير عن حدود قدرة طالبان على حماية المصالح والمواطنين الصينيين.
وبعد أن استهدف “داعش-خراسان” مراراً مواطنين صينيين وشركات مرتبطة بالصين في أفغانستان، سعى أيضاً إلى تجنيد “مسلحين من الإيغور”، بمن فيهم مقاتلون مرتبطون بـ “حركة تركستان الإسلامية”، من خلال تصوير القتال ضد الصين بوصفته “جزءاً من أجندته الجهادية الأوسع”.
وتعليقاً على ذلك، قال كبير مستشاري مشروع مكافحة الإرهاب التابع للمجلس الأطلسي، لمجلة “رولينج ستون”، مورغان تاديتش: “رغم عدم وجود تحالف بين التنظيمَين، إلا أنهما يشتركان في هدف واحد يتمثل في تهديد المصالح الصينية في أفغانستان”.
وتابع: “يرى كلا التنظيمين أن الهجمات على هذه المواقع تُعبّر عن دعمهما للأيغور المضطهدين في الصين، وقد أثبتت طالبان عجزها عن ردع هذه الهجمات أو إيقافها”.
الأبعاد الاقتصادية
وعلى المقلب الاقتصادي، لطالما أبدت الصين اهتماماً بالموارد المعدنية في أفغانستان، حيث أعلنت شركات صينية عن صفقات تتعلق بالنحاس والنفط والغاز، لكن القليل منها فقط تحول إلى مشاريع فعّالة.
ولفت الموقع إلى صعوبة ممارسة الأعمال في أفغانستان اليوم، إذ العقود يصعب إنفاذها، ولا يزال النظام المصرفي معزولاً عن الاقتصاد العالمي، وتتركز عملية صنع القرار السياسي والاقتصادي بشكل كبير في يد قيادة طالبان.
وعليه، قد ترى الشركات الصينية فرصاً في أفغانستان، لكن ليس لديها دافع يُذكر لتحمّل المخاطر الهائلة اللازمة لتحويل تلك الفرص إلى استثمارات واسعة النطاق، بحسب التقرير.
وتتجلى الأهمية الاقتصادية لأفغانستان بالنسبة لبجين في موقعها ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية الطموحة، إذ رغم سنوات من النقاش حول دمج أفغانستان في شبكة البنية التحتية الصينية، لم يُحرز تقدم ملموس يُذكر، حيث تمر الممرات الإقليمية الرئيسة لبجين عبر باكستان وآسيا الوسطى، بينما لم تحصل أفغانستان بعد على أي مشروع رئيسي مدعوم من الصين ضمن مبادرة الحزام والطريق.
باكستان بوصفها عاملاً رئيساً
على مدى عقود، نظرت بجين إلى أفغانستان من منظور باكستاني في الغالب، معتمدةً على إسلام آباد للمساعدة في إدارة العلاقات مع كابول.
وقد دعمت الصين سابقاً توسيع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني ليشمل أفغانستان، إلا أن هذا المقترح لم يُموّل بعد، إضافةً إلى أن إغلاق الحدود الأفغانية الباكستانية في ظل الصراع الحالي بين حركة طالبان الأفغانية وإسلام آباد يشكل عقبةً رئيسيةً أخرى.
ويبدو أن الصين، وفقاً للتقرير، باتت أكثر اهتماماً بعزل ممراتها الإقليمية القائمة عن عدم الاستقرار في أفغانستان، بدل جعلها مركزاً محورياً في استراتيجيتها للربط الإقليمي.
وفي الآونة الأخيرة، سعت الصين للتوسط بين باكستان وحركة طالبان، ما يُبرز مدى صعوبة فصل بجين لسياستها تجاه أفغانستان عن التوترات القائمة بين كابول وإسلام آباد.
في الوقت نفسه، عززت هذه التحديات المتزايدة حافز بجين على بناء علاقة مباشرة مع كابول بدلاً من الاعتماد كلياً على إسلام آباد.
وترى الصين في توثيق العلاقات مع طالبان وسيلةً للتحوط في ظل قلق بجين إزاء تزايد تقارب باكستان مع الغرب.
وعليه، رأى الموقع أن نهج الصين تجاه أفغانستان بات – بعد 5 سنوات من عودة طالبان – أقرب إلى ممارسة انكشاف مُدار منه إلى توسع استراتيجي واسع النطاق، إذ تمتعت بجين بوصول دبلوماسي مباشر إلى طالبان، وأقامت تعاوناً أمنياً محدوداً، وأبقت الباب مفتوحاً أمام إمكانية تعميق العلاقات الاقتصادية والسياسية، مع تجنب تكاليف الاعتراف الرسمي بها أو تقديم التزامات مالية كبيرة.
وبذلك، لم تحل الصين محل الولايات المتحدة في أفغانستان، بل تسعى بجين إلى احتواء المخاطر الأمنية التي تشكلها أفغانستان مع الحفاظ على ما لديها من نفوذ وفرص.
– “Responsible Statecraft”:




