رأي

خيار كوبا الوحيد

الاتفاق مع واشنطن هو أفضل مخرج للجزيرة

مايكل بوستامانتي, وريكاردو هيريرو – اندبندنت عربية:

تدفع الأزمة الاقتصادية الخانقة كوبا إلى مفترق طرق حاسم: إما التفاوض مع واشنطن مقابل إصلاحات سياسية واقتصادية وأمنية واسعة، أو مواجهة مزيد من الانهيار والعزلة. ويرى الكاتبان أن التوصل إلى صفقة تدريجية مع إدارة ترمب يبقى الفرصة الأخيرة لتجنب كارثة قد تفضي إلى اضطرابات أو تدخل أميركي مباشر.

منذ أن أطاحت قوات الكوماندوس الأميركية بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير (كانون الثاني) الماضي، مارست واشنطن ضغوطاً غير مسبوقة على كوبا، الحليف السابق لكاراكاس، الذي أنهكته الأزمات. وكان اقتصاد الجزيرة قد دخل في دوامة بالفعل نتيجة لعقوبات “الضغط الأقصى” التي فرضتها إدارة ترمب الأولى، وجائحة كورونا، وفشل هافانا في تبني إصلاحات اقتصادية أعمق. لكن فقدان كوبا القدرة على الوصول إلى النفط الفنزويلي الرخيص وجه ضربة قاتلة لها. فالحصار النفطي الفعلي الذي فرضه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الجزيرة خلال الأشهر الخمسة الماضية، ولم يسمح خلاله البيت الأبيض إلا بعبور ناقلة روسية واحدة، دفع البلاد إلى حافة الهاوية: فقد أصبحت انقطاعات التيار الكهربائي يومية ولا يمكن التنبؤ بها، وتوقفت الخدمات الأساسية، وبدأ المواطنون يصابون باليأس.

مع ذلك، وفي اتصالات شبه علنية مع مبعوثين كوبيين خلال الربيع، بمن فيهم حفيد الزعيم السابق راؤول كاسترو، حاول البيت الأبيض إقناع كوبا، الدولة ذات الحزب الواحد، بالموافقة على انفتاح اقتصادي وأمني بدلاً من تغيير سياسي جذري وشامل. ولم تستجب هافانا لعرض واشنطن، بل أظهرت في معظم الأحيان ثقة وتماسكاً وحاولت كسب الوقت، لا سيما منذ بدء الأعمال العدائية الأميركية ضد إيران، إذ كانت تأمل في أن تستحوذ الأزمة الإيرانية على اهتمام الإدارة الأميركية وتُضعف رغبتها في التصعيد داخل محيطها الإقليمي القريب.

غير أن هذا الوقت يوشك على النفاد. فمع تزايد إحباطها مما تصفه بالتعنت الكوبي، لوحت إدارة ترمب بفرض عقوبات ثانوية جديدة قد تكون مدمرة على الشركات الأجنبية العاملة في قطاعات رئيسة من الاقتصاد الكوبي. وفي زيارة مفاجئة إلى هافانا في منتصف مايو (أيار)، وجه جون راتكليف، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، إنذاراً نهائياً إلى القيادة الكوبية، مطالباً إياها بقطع العلاقات الأمنية مع الصين وروسيا. كذلك تُمهد الولايات المتحدة الطريق لعملية محتملة تهدف إلى القبض على كاسترو وإخراجه من كوبا تحت عنوان “إنفاذ القانون”، في خطوة قد تُحاكي عملية القبض على مادورو من خلال توجيه اتهامات إلى كاسترو أمام محكمة أميركية.

تايوان وكوبا… جزيرتان تختبران حدود النفوذ الأميركي
لكن هذه ليست مجرد قصة تتعلق بخيارات واشنطن. فعلى مدى عقود، أعطت الحكومة الكوبية الأولوية للسيطرة الداخلية والاعتماد على الرعاة الخارجيين بدلاً من السعي إلى إحداث تحول سياسي واقتصادي. كذلك لطالما اعتبرت أن التفاوض مع واشنطن تحت الضغط يتعارض مع السيادة الوطنية، ولا يمكن إنكار أن حجم الإكراه الاقتصادي الأميركي الحالي ضد كوبا صادم أخلاقياً. ولكن بالنظر إلى عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الإدارة الأميركية الحالية، فإن مسؤولية تجنب الكارثة تقع الآن على عاتق هافانا. وكلما طال أمد تعامل القادة الكوبيين مع المسار المستقبلي باعتباره مسألة كرامة ثورية لا مسألة بقاء وطني، أصبح من المؤكد أكثر بأن ما سيحدث لاحقاً سيكون أسوأ.

إن أفضل سبيل للمضي قدماً هو اتفاق تفاوضي تقدم فيه هافانا تنازلات كبيرة بما يكفي ليُسوقها ترمب على أنها انتصار، وبذلك تتجنب كوبا انهياراً إنسانياً وتبدأ مسار التعافي. وأي خيار أقل من ذلك يزيد من خطر تفاقم الاضطرابات الاجتماعية ويعزز احتمال تدخل واشنطن عسكرياً لتحقيق الاستقرار في اقتصاد مُنهار على بعد 145 كلم فقط من فلوريدا، وهو سيناريو تُفضل حكومتا البلدين تجنبه.

ذروة التوتر
منذ اللحظة التي انتشرت فيها أنباء اعتقال مادورو، بعثت إدارة ترمب برسالتين متناقضتين حول تداعيات ذلك على كوبا. فمن جهة، صرح بعض المسؤولين الأميركيين لصحيفة “وول ستريت جورنال” بأنهم يسعون جاهدين إلى تغيير النظام في هافانا بحلول نهاية عام 2026. ومن جهة أخرى، تحدث دبلوماسيون مع كوبيين منفيين في ميامي وإسبانيا حول إيجاد “ديلسي كوبية”، في إشارة إلى ديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس الفنزويلية في عهد مادورو، التي نُصبت زعيمة موقتة بعد إقصائه. وقد صرح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في فبراير (شباط) الماضي بأن كوبا لا تحتاج إلى أن “تتغير كلها دفعة واحدة”.

ورداً على ذلك، اتخذت كوبا بعض الخطوات الرمزية، فأفرجت عن عدد قليل من المعتقلين السياسيين، وأصدرت مرسوم عفو أوسع يشمل ألفي سجين من المحكومين في قضايا جنائية عادية، وتعهدت بالسماح للأميركيين من أصل كوبي بالاستثمار في الاقتصاد الكوبي. مع ذلك، اكتفت هافانا الضعيفة والهشة، في معظم الأحيان، بتكرار عبارات مبتذلة عن الاحترام المتبادل والسيادة الوطنية. وكانت رغبتها في تجاهل أو تأجيل التعامل مع حجم التهديد الكبير الذي تواجهه قد تعززت، بسبب انشغال الولايات المتحدة بالملف الإيراني. ورأى المسؤولون في هافانا أنه إذا استطاعت كوبا الصمود حتى انتخابات التجديد النصفي الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فإن الناخبين الأميركيين سيرفضون رفضاً قاطعاً مغامرات الرئيس العسكرية، ولن يكون أمام البيت الأبيض خيار سوى قبول تنازلات هافانا المتواضعة أو ببساطة الانتقال إلى ملفات أخرى.

مسؤولية تجنب الكارثة باتت على عاتق هافانا

لكن بدلاً من أن يفقد البيت الأبيض تركيزه، نفد صبره. ففي الأول من مايو صدر أمر تنفيذي منح وزارتي الخزانة والخارجية صلاحيات فورية لفرض عقوبات ثانوية على الشركات الأجنبية التي تتعامل مع مؤسسات الدولة الكوبية في قطاعات استراتيجية مثل التعدين والطاقة والتمويل. في الواقع، إن شبكة العقوبات المعقدة المفروضة على كوبا، التي تشمل حظراً تجارياً قائماً منذ عام 1962، تؤثر منذ وقت طويل على تعاملات الدول الأخرى مع الجزيرة. إلا أن المستثمرين ومشغلي المشاريع الأجانب في كوبا لم يسبق أن وُجهت إليهم تهديدات مباشرة بحرمانهم من الوصول إلى النظام المالي الأميركي. ونتيجة لذلك، علقت عدة شركات عملياتها في الجزيرة.

ثم جاءت زيارة راتكليف إلى هافانا، بعد يوم واحد فقط من اعتراف وزير الطاقة الكوبي علناً بنفاد احتياطيات النفط في الجزيرة. (ومن المثير للقلق أن وفد وكالة الاستخبارات المركزية ضم قائد العملية التي أفضت إلى القبض على مادورو). وقد حملت هذه المبادرة غير المألوفة رسالة واضحة إلى رؤساء أجهزة الاستخبارات الكوبية: لا تزال واشنطن منفتحة على إبرام صفقة، لكن نافذة الفرصة تضيق، ويجب أخذ تلميحات ترمب بشأن “السيطرة على كوبا” على محمل الجد. لذا ينبغي إصلاح الاقتصاد، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، والأهم بالنسبة إلى وكالة الاستخبارات المركزية، قطع العلاقات الأمنية مع روسيا والصين، بما في ذلك إغلاق محطات التنصت التابعة لهما على الأراضي الكوبية. في حال تجاهل هافانا المطالب، فستدرك أن تركيز إدارة ترمب على البلاد لم يكن مجرد مشروع شخصي لوزير خارجيته الأميركي من أصل كوبي.

وأخيراً، في 20 مايو، وجه المدعون الفيدراليون في المنطقة الجنوبية من ولاية فلوريدا اتهاماتٍ إلى راؤول كاسترو بتهمة إصدار أوامر بإسقاط طائرتين مدنيتين أميركيتين عام 1996 كان يقودهما أميركيون من أصل كوبي فوق المياه الدولية، ما أسفر عن مقتل ثلاثة مواطنين أميركيين ومقيم قانوني واحد في الولايات المتحدة. وكانت الرمزية واضحة لا لبس فيها. فبالنسبة إلى القوميين الكوبيين، يُمثل 20 مايو ذكرى تأسيس الجمهورية عام 1902، ولكنه يرمز أيضاً إلى بداية نظام ما بعد الاستقلال الذي قيدته التدخلات الأميركية. وحتى لو كان الهدف الأساسي من لائحة الاتهام هو دفع هافانا إلى طاولة المفاوضات أو استرضاء الناخبين الأميركيين من أصل كوبي، فإنها تُوفر أساساً قانونياً يمكن الاستناد إليه لتبرير عمل عسكري أميركي. وقد عززت التقارير الإعلامية الأخيرة التي أفادت بأن هافانا خزنت 300 طائرة مسيرة دفاعية زودتها بها روسيا وإيران، حجة الإدارة الأميركية القائلة إن كوبا تُشكل تهديداً أمنياً.

ملامح صفقة محتملة
التفسير التقليدي لرفض هافانا تقديم تنازلات أكثر جوهرية لواشنطن هو أن المسؤولين الكوبيين عنيدون أو متصلبون أيديولوجياً. لكن هذا التفسير يقلل من عقلانية موقفهم، ويتجاهل اختلال نظام الحكم في الجزيرة. فالقيادة الكوبية ليست كياناً واحداً موحداً ومتجانساً، بل تتوزع السلطة بين أربعة مراكز متداخلة على الأقل: كاسترو الذي لا يزال يتمتع بنفوذ كبير ودائرته المقربة؛ والتكتل العسكري-الاقتصادي المعروف بمجموعة “غايسا” Grupo de Administración Empresarial S.A. (GAESA)، الذي يسيطر على ما يُقدر بنحو 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد (وتمتلك عائلة كاسترو مصلحة مباشرة فيه)؛ وأجهزة الأمن والاستخبارات؛ والحزب الشيوعي والجهاز البيروقراطي الحكومي.

وتسعى مجموعة “غايسا” إلى الحفاظ على هيمنتها الاقتصادية، وهي هيمنة قد تتعرض للتهديد في حال حدوث انفتاح جدي على القطاع الخاص. أما أجهزة الأمن، فترغب في الحفاظ على علاقاتها مع بكين وموسكو، إلا أن أي تقارب عميق مع واشنطن سيجبرها على إعادة صياغة تلك العلاقات. ويخشى جهاز الحزب أن يؤدي أي انفتاح سياسي حقيقي إلى تسريع التحدي لشرعيته الداخلية التي تعاني أصلاً أزمة عميقة. أما كاسترو، الذي تجاوز التسعين من عمره، فيعتبر أي صفقة تتطلب خروجه من المشهد تهديداً وجودياً لخططه في نهاية حياته وللمشروع الثوري الذي جسده هو وشقيقه الأكبر فيدل.

والتفاوض مع واشنطن يُهدد جميع هذه الأطراف، لذا ليس من المستغرب أن تُبدي رفضها الجماعي لهذه الخطوة. وليس من المستغرب أيضاً عدم ظهور شخصية واضحة شبيهة بـ”ديلسي” للانقلاب على رؤسائها وتنفيذ رغبات الولايات المتحدة. والمثير للدهشة هو مدى سماح القيادة الكوبية لهذه الاعتراضات بأن توجه الاستراتيجية الخارجية الكوبية. فكل شهر إضافي من الجمود يستنزف مزيداً من الاحتياطيات والبنية التحتية وصبر المجتمع، وهي جميعها موارد تحتاج إليها أي حكومة كوبية للحكم. إن منطق المقاومة مفهوم، لكنه في الوقت نفسه شكل بطيء من أشكال الانتحار.

في الواقع، إن ملامح الصفقة التي يمكن لهافانا قبولها بشكل معقول أصبحت واضحة منذ أشهر. ففي مارس (آذار) الماضي، أبلغ مسؤولون أميركيون نظراءهم الكوبيين برغبتهم في رؤية تقدم في مجالات استراتيجية. ويشمل ذلك تحرير القوانين المتعلقة بحرية التعبير وتكوين الجمعيات، والإفراج عن سجناء سياسيين بارزين، بمن فيهم المحتجزون منذ الاحتجاجات الوطنية التي اجتاحت الجزيرة في يوليو (تموز) 2021. كذلك يضغطون على هافانا للالتزام بإصلاحات سوقية شاملة تفتح الاقتصاد فعلياً أمام استثمارات القطاع الخاص، بما في ذلك استثمارات الجالية الكوبية في الخارج، وتقلل بشكل كبير من نفوذ مجموعة “غايسا”.

وتشمل قائمة الأولويات أيضاً موافقة كوبا على تقليص علاقاتها الاستخباراتية والأمنية مع روسيا والصين. وبما أن سيادة القانون وحماية الملكية عنصران بالغا الأهمية لاستعادة ثقة المستثمرين، تريد واشنطن من هافانا الالتزام بالعمل مع الولايات المتحدة وهيئات تحكيم دولية محايدة لوضع آلية تعويض عادلة، وغير عقابية، لحل معضلة مطالبات الملكية العالقة منذ مصادرة الحكومة الكوبية للشركات الأميركية الخاصة في عامي 1959 و1960. ولا يُشترط تنفيذ هذه الخطوات دفعة واحدة. ولكن إذا جرى تطبيقها على مراحل متتابعة، فهي قد تقنع واشنطن بأن التزام كوبا بالإصلاح حقيقي. كذلك ستمثل أعمق التغييرات الداخلية التي شهدتها كوبا منذ عقود، وهو ما يمكن لواشنطن تسويقه باعتباره انتصاراً.

وفي المقابل، وعلى مراحل أيضاً، يمكن للولايات المتحدة إلغاء أشد عقوباتها قسوة، من خلال شطب كوبا من قائمة الدول الراعية للإرهاب وإلغاء الأمر التنفيذي الصادر في الأول من مايو الذي فرض عقوبات ثانوية. كذلك يمكن لواشنطن أيضاً تخفيف القيود المفروضة على السفر إلى الجزيرة؛ والسماح للشركات الأميركية بالعودة إلى قطاعات السياحة والتعدين والطاقة والزراعة وغيرها؛ والسماح بالاستثمار في الشركات الكوبية الصغيرة والمتوسطة التي تُدار من القطاع الخاص. ويمكنها تعليق العمل بالباب الثالث من “قانون ليبرتاد” [قانون هيلمز – بيرتون]، الذي يُشكل عائقاً كبيراً أمام الاستثمار الدولي لأنه يسمح لأصحاب المطالب الأميركيين [ممن يدعون ملكية أصول في كوبا] بمقاضاة الشركات الأجنبية المستفيدة من أصول كانوا يمتلكونها في كوبا قبل أن تؤممها حكومة كاسترو.

ومن حيث المبدأ، يشترط “قانون ليبرتاد” رفع الحظر التجاري الأميركي بالكامل بوجود حكومة انتقالية ديمقراطية في الجزيرة. ولكن إذا اقترنت الانفتاحات الاقتصادية الحقيقية بإعادة تشكيل جوهرية للقيادة الكوبية، فقد تُفسر واشنطن مصطلح “الانتقال” بمرونة كافية تسمح بتخفيف العقوبات، حتى في غياب تحول ديمقراطي كامل. ولن يؤدي مثل هذا الترتيب إلى إغلاق الباب أمام تغييرات سياسية أوسع في المستقبل، بل سيمنح قادة النظام الوقت الكافي لتأمين مخرج مُرضٍ للطرفين بينما يُعيد المجتمع المدني بناء نفسه. وصحيح أن السلطات الكوبية لم تُبدِ حتى الآن اهتماماً كبيراً بهذا المخرج، إلا أن هذا المسار يظل بلا شك أفضل من البديل الذي ينتظرها بخلاف ذلك: استمرار الانهيار الاقتصادي، وما يرافقه من مشقة اجتماعية متزايدة واضطرابات قد تبلغ حداً يدفع الولايات المتحدة إلى إسقاط النظام بالقوة.

ويتماشى هذا النهج التدريجي أيضاً مع توجهات الإدارة الأميركية في أماكن أخرى، بما في ذلك فنزويلا: إعطاء الأولوية للاستقرار، والانفتاح الاقتصادي، وإعادة التموضع الأمني، بينما يُنظر إلى التحول الديمقراطي باعتباره عملية طويلة الأجل. كذلك ينسجم هذا النهج مع سياسة الولايات المتحدة تجاه كوبا خلال عدة إدارات، بما فيها إدارة ترمب الأولى، التي فضلت التركيز على أهداف أكثر محدودية بدلاً من التحقيق الفوري للأهداف القصوى المنصوص عليها في القوانين الأميركية. وتشمل هذه الأهداف توسيع المجال المتاح للقطاع الخاص، وتقليص قبضة الجيش على الاقتصاد، والإفراج عن سجناء سياسيين، وتخفيف القيود على تدفق المعلومات، وتقليص علاقات هافانا الأمنية مع خصوم الولايات المتحدة.

فرصة لا تحتمل التأجيل
إن نافذة التوصل إلى مثل هذه الصفقة ليست مفتوحة إلى الأبد. لنأخذ عامل وجود روبيو والدور الذي يمكن أن يلعبه. فلطالما كان من أكثر الأصوات تشدداً تجاه كوبا في السياسة الأميركية. وهذا الموقف بالتحديد قد يمنحه قدرة فريدة على تسويق اتفاق تفاوضي بطريقة لا يستطيع أي سياسي آخر القيام بها. فقد تمكن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون من الذهاب إلى الصين تحديداً لأن سجله في مناهضة الشيوعية كان راسخاً لا جدال فيه. وصحيح أن روبيو ليس نيكسون، وأنه يعمل تحت قيادة رئيس متقلب يتأرجح بين الانكفاء الانعزالي والتصعيد الاستعراضي، ولكن إذا كان هناك أي شخصية في الحزب الجمهوري اليوم قادرة على توحيد صفوف الأميركيين من أصل كوبي، والجمهوريين في الكونغرس، وبعض الديمقراطيين على الأقل، لدعم تسوية تدريجية ودائمة مع هافانا، فستكون روبيو.

ثم هناك الواقع المرير المتعلق بالوضع الاقتصادي في كوبا. فمواطنو الجزيرة ببساطة لا يستطيعون تحمل مزيد من الإفقار الاقتصادي تحت وطأة الضغوط الخارجية خلال السنوات المتبقية من ولاية ترمب الثانية. فالعجز المالي الكبير، وعبء الديون الثقيل، والقدرة المحدودة جداً على الوصول إلى مصادر تمويل خارجي، كلها عوامل جعلت هامش المناورة لدى الحكومة شبه معدوم. وقد تخشى هافانا الألم قصير الأجل الذي قد يصاحب عملية إصلاح أعمق، لكن الحقيقة هي أن هذا الألم حاضر بالفعل: فقد انهارت مداخيل الكوبيين، وتراجع الطلب على السلع والخدمات، وتدهورت الزراعة والصناعة التحويلية، واستنزفت الهجرةُ القوى العاملة.

نافذة التوصل إلى صفقة ليست مفتوحة إلى الأبد

ولكن وسط حالة اليأس، ثمة بعض الاتجاهات الإيجابية في العلاقات بين الجانبين يمكن البناء عليها للمضي قدماً. فالقطاع الخاص في كوبا، الذي شهد نمواً ملحوظاً منذ إضفاء الشرعية على الشركات الصغيرة والمتوسطة في عام 2021، يلعب دوراً هاماً في دعم شرائح من السكان خلال الأزمة الراهنة. ومنذ عهد الرئيس باراك أوباما، أولت كل إدارة أميركية دعم المشاريع المستقلة في كوبا أولويةً سياسية، حتى إن ترمب يسمح الآن للشركات الخاصة هناك باستيراد الوقود. وهذا يتيح فرصاً لمزيد من الإعفاءات من العقوبات بما يدعم نمو هذا القطاع. وقد تكون العلاقات الأميركية – الكوبية في أشد مراحلها توتراً منذ عقود، لكن الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين مستمرة، والتجارة الثنائية في المواد الغذائية والمنتجات الزراعية، التي تستفيد من الثغرات والاستثناءات التي يسمح بها نظام العقوبات والحظر الحالي، تسجل أرقاماً قياسية. وتُعد التحويلات المالية من الجالية الكوبية المقيمة في الولايات المتحدة من بين أكبر مصادر العملات الصعبة التي تصل إلى المواطنين الكوبيين العاديين. وهناك مصالحة عفوية بين الكوبيين داخل الجزيرة وخارجها، وقد وصلت إلى مرحلة أكثر تقدماً مما يعترف به معظم المراقبين.

مع ذلك، فإن توسيع الانفتاح على استثمارات الجالية الكوبية، والمشاريع الخاصة، والتجارة الثنائية، لن يكون كافياً وحده لتوفير رأس المال اللازم لتحديث شبكة الكهرباء المتهالكة في كوبا، أو إعادة رسملة نظامها المصرفي، أو إعادة بناء بنيتها التحتية الأساسية. تاريخياً، كان هذا النوع من رأس المال يأتي عبر المؤسسات المالية متعددة الأطراف، مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وبرامج المساعدات الثنائية التي تقدمها الحكومات الغربية. لكن التمويل من الحكومات الأوروبية يتضاءل إذ إنها تعيد توجيه مواردها من الإنفاق على المساعدات التنموية إلى الإنفاق الدفاعي. ولا تستطيع كوبا الاعتماد على مؤسسات أخرى متعددة الأطراف للحصول على تمويل طارئ لأنها ليست عضواً فيها، ولا يمكنها الانضمام إليها من دون موافقة واشنطن.

وتبرز المقارنات التاريخية حجم ما هو على المحك. ففي عام 1986، شرعت فيتنام في إصلاحات سوقية فيما كانت تمر بأزمة حادة، لكنها كانت لا تزال تمتلك دولة قادرة على العمل بكفاءة، وتركيبة سكانية شابة، واقتصاداً إقليمياً في مرحلة الانطلاق والازدهار. وفي عام 1989، مع تحول بولندا بعيداً من الحكم الشيوعي، كان اقتصادها ينهار، لكنها ورثت مؤسسات فاعلة، وتلقت تمويلاً غربياً فورياً تقريباً، مما وضعها على مسارٍ انتهى بانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. أما كوبا اليوم، فلا تمتلك الميزة الديموغرافية التي تمتعت بها فيتنام، ولا مسار التمويل الخارجي الذي استفادت منه بولندا. فقاعدتها الإنتاجية أكثر تدهوراً، وقوتها العاملة أكبر سناً وأكثر استنزافاً بسبب الهجرة، كذلك هي تواجه بيئة دولية أقل سخاءً بكثير.

أصداء التاريخ
من المفهوم أن يشعر القادة الكوبيون بالنفور من فكرة التفاوض على مستقبل الجزيرة السياسي والاقتصادي تحت ضغط أميركي شديد، لأن ذلك يستحضر ذكريات تاريخية مؤلمة. ففي عام 1901، واجه المندوبون الذين صاغوا أول دستور للجمهورية الكوبية معضلة قاسية عندما ربطت واشنطن إنهاء احتلالها العسكري الذي دام أربع سنوات بعد الحرب الإسبانية- الأميركية عام 1898 بقبول قيود دستورية على السيادة الكوبية بموجب “تعديل بلات”. وقد أكد فيدل كاسترو وغيره من الثوريين لاحقاً أن قبول تلك الشروط كان خيانة صريحة للمبادئ التي ضحى من أجلها مناضلو الاستقلال الكوبي بأرواحهم في القرن التاسع عشر.

لكن بعض المندوبين الذين شاركوا فعلياً في تلك المرحلة التاريخية (وضع الدستور) لم يروا في خيارهم استسلاماً بقدر ما رأوا فيه محاولةً للحفاظ على دولة هشة تواجه ظروفاً استثنائية. وقد سعوا إلى ضمان حد أدنى من السيادة لإبقاء كوبا قائمة، ولترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية تحقيق استقلال أكثر اكتمالاً في المستقبل.

ولا يتطابق المأزق الكوبي الحالي تماماً مع تلك التجربة التاريخية. وينبغي لهافانا ألا تتبنى إصلاحات اقتصادية وسياسية لمجرد أن واشنطن تطالب بذلك. لكن الشعب الكوبي يستحق مستقبلاً مستداماً. والمسار الأكثر منطقية الذي يمكن للسلطات الكوبية أن تسلكه لإنقاذ بلادها، وإن كان يحمل في طياته مفارقة قاسية، هو التفاوض مع القوة نفسها التي تُلحق ضرراً بالغاً باقتصادها، أي الولايات المتحدة، لأنها في الوقت ذاته القوة الوحيدة التي يمكنها، بشكل واقعي، أن تدعم تعافي كوبا. ويبدو أن التغيير أصبح أكثر حتمية من أي وقت مضى. والسؤال هو: هل سيأتي عبر انهيار فوضوي، أو عن طريق تدخل أجنبي عنيف، أو من خلال تحول تدريجي تبقى فيه هافانا طرفاً مؤثراً في القرار؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى