رأي

خريطة نتنياهو‬

أسامة سرايا – بوابة الأهرام:
أعاد بنيامين نتنياهو، طرح رؤيته للصراع فى الشرق الأوسط بصورة بصرية لافتة للنظر، حين عرض خريطة ملونة صنف فيها خصومه باللون الأحمر، وبرغم أن هذه الخطوة بدت للبعض مجرد استعراض سياسى، فإن دلالاتها تتجاوز الشكل إلى مضمون يكشف بوضوح ما يريده نتنياهو فى هذه المرحلة، ويطرح تساؤلات جدية حول اتجاهات التصعيد المرتقبة.

فى ظاهر المشهد، يبدو أن نتنياهو يسعى إلى ترسيخ سردية أمنية واضحة، تقوم على تحديد «الخصوم»، بشكل صريح ومباشر، فإدراجه دول مثل إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن، ضمن دائرة اللون الأحمر على الخريطة لا يعكس مجرد توصيف رمزى، بل يشير إلى بناء تصور متكامل لصراع ممتد جغرافيا، تتداخل فيه الجبهات من الخليج إلى شرق المتوسط، هذا التحديد الحاد للخصوم يسهم فى إعادة تعريف طبيعة التهديد، من خطر موضعى إلى شبكة إقليمية مترابطة، ما يفتح الباب نظريا وعمليا أمام توسيع نطاق العمليات العسكرية.

لكن ما يريده نتنياهو يتجاوز هذا الإطار الأمنى المباشر، فهو يحاول تثبيت معادلة «الردع الشامل»، عبر استعراض ما وصفه بإنجازات عسكرية، تشمل استهداف شخصيات رفيعة فى إيران وحلفائها، هذه اللغة لا تخاطب الخارج فقط، بل تُوجه أساسا إلى الداخل الإسرائيلى، فى ظل تساؤلات متزايدة حول جدوى العمليات العسكرية ونتائجها.

من هنا، يصبح الخطاب جزءا من معركة الوعي، حيث يسعى نتنياهو إلى إعادة إنتاج صورته كقائد قوى قادر على إدارة صراع متعدد الجبهات!

غير أن الخطورة الحقيقية فى هذا الطرح، تكمن فى ما يحمله من أبعاد تتعلق بإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة، الحديث عن «أحزمة أمنية»، وتموضع عسكرى فى نقاط حساسة داخل دول الجوار، إلى جانب الإشارة إلى «حلفاء» داخل دول بعينها، مما يعكس توجها يتجاوز زعمه بحجة الدفاع إلى محاولة بناء نفوذ مباشر أو غير مباشر داخل هذه الدول.

كما أن إدراج اليمن ضمن خريطة الخصوم يثير دلالات إضافية، إذ يشير إلى احتمال توسيع مسرح العمليات، ليشمل جبهات بعيدة نسبيا عن مركز الصراع القائم، وهو ما يعكس انتقالا من مفهوم «الحروب المحدودة»، إلى نمط من الصراع المفتوح، الذى لا تحكمه حدود جغرافية واضحة، بل شبكات النفوذ والتحالفات.

فى المقابل، لا يمكن إغفال البعد الأيديولوجى الذى يلوح فى خلفية هذا الخطاب، إذ تلوح فكرة «إسرائيل الكبرى» من ورائها، فهذا التحديد للخصوم فى هذا التوقيت الحساس يمكن تفسيره كجزء من رؤية أوسع لإعادة رسم خرائط النفوذ فى المنطقة، تحت غطاء أمنى، وهنا تتحول اللغة من مجرد توصيف للواقع إلى أداة لصناعته.

ختاما، تكشف خريطة نتنياهو عن أكثر من مجرد خطاب تصعيدى، إنها تعبير عن مشروع يسعى إلى إعادة تعريف الصراع وحدوده وأدواته، غير أن خطورة هذا المشروع تكمن فى أنه يدفع المنطقة، نحو نموذج صراع مفتوح، متعدد الجبهات، ومشحون بالأبعاد الأيديولوجية والطائفية، فى وضع إقليمى شديد التعقيد، وبينما قد يحقق له هذا النهج مكاسب مؤقتة، فإنه يهدد بتوسيع دائرة عدم الاستقرار، ويفتح الباب أمام مواجهات يصعب احتواؤها مستقبلا

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى