رأي

حرب أوكرانيا وتغيُّر موازين القوى في العالم؟!

أحمد محمود عجاج – الشرق الأوسط:

أكثر من 4 سنوات مضت على العملية الخاصة الروسية التي أطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لاحتلال أوكرانيا، ولا تزال أوكرانيا قادرة على الصمود. وأكثر من عام مضى على ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ولم يفِ بوعده بإحلال السلام في أوكرانيا، رغم ممارسته أقسى الضغوط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وبالذات وقفه معظم المساعدات العسكرية لأوكرانيا. والسؤال المهم: لماذا تمكنت أوكرانيا من الصمود أمام دولة عظمى؟ ولماذا فشلت أميركا في إحلال السلام رغم أنها الداعم الأكبر لأوكرانيا؟ وما هي التبعات الجيوسياسية لهذا الصمود الأوكراني؟

ارتكزت أوكرانيا على دعامتين: أولاً، نوعية القيادة، والتفاف شعبها حولها، وثانياً الموقع الاستراتيجي، وارتباطه الحساس بالأمن الأوروبي. كما أن زيلينسكي لم يهرب عند وصول قوات بوتين لضواحي العاصمة كييف، ولم يلتفت لدعوات قادة أوروبا وأميركا بضمان ترحيله ليقود المقاومة من الخارج؛ بل قال كلمته التاريخية: «القتال هنا. أريد ذخائر، وليس وسيلة نقل للخروج من البلاد». كان بالإمكان أن يقع زيلينسكي أسيراً، أو يُقتل، ولكنه رأى أن المقاومة داخل البلاد أشد فاعلية من خارجها. هذا القرار أجبر الرئيس جو بايدن، وقادة أوروبا، على تغيير الاستراتيجية من الاعتراف بالاحتلال الروسي، كواقع، إلى الاصطفاف خلف الدولة الأوكرانية ودعمها بمقومات الدفاع؛ وكانت المعجزة إجبار القوات الروسية على الانسحاب من العاصمة إلى نقطة انطلاقها الأولى، وبهذا تغيرت الاستراتيجية الروسية من الاستهتار بأوكرانيا إلى إعادة البناء، واتباع سياسة القضم التدريجي للأراضي، وتدمير مقومات الصمود الأوكراني. وتمكن بوتين من تحقيق إنجازات عسكرية في الدونباس؛ لكنه لم ينجح في السيطرة عليها كلياً، وتمكن الأوكرانيون في شهر مارس (آذار) الماضي من استرداد نحو 300 كيلومتر من الأراضي في المحاور الشرقية والجنوبية من أوكرانيا. هذا الاسترداد أسقط الادعاء بأن إقليم الدونباس أصبح روسياً، وأسقط مقولة ترمب بأن زيلينسكي لا يملك أوراقاً للتفاوض، والأنجع أن يقبل بالأرض مقابل السلام.

من حسن حظ أوكرانيا «موقعها الجيوسياسي»؛ فأوروبا ترى أوكرانيا درعاً جغرافية تحميها من هجمات روسية سريعة، وبالتالي بقاؤها كدولة يشكل استثماراً مقبولاً، مهما كانت تكلفته. وحاول قادة أوروبا إرضاء بوتين بدايةً، فتنازلوا عن جزيرة القرم، وقبلوا بهيمنته السياسية على الدونباس، ولكنهم فوجئوا باحتلاله العاصمة الأوكرانية، وتفاجأوا أكثر بصمود القيادة الأوكرانية؛ بهذا الواقع تشكَّل إجماع أوروبي على أن استنزاف روسيا في أوكرانيا ضروري لإجبار بوتين على التفاوض. وقد تمكن الأوروبيون -رغم مواقف ترمب- من تحمُّل عبء الحرب الأوكرانية، وصرفوا مئات المليارات من الدولارات لدعمها عسكرياً واقتصادياً؛ فأوروبا لم تعد مؤمنة بالتفاوض غير المتوازن؛ بل تعمل على قلب المعادلة العسكرية، واستنزاف بوتين، ليدرك أن الحل يكون باتفاق يضمن أمن أوكرانيا ومنه أمن أوروبا. هذا التغير أربك ترمب، لإدراكه قدرة أوكرانيا العسكرية، وإجماع أوروبا على دعمها. فمؤخراً تمكن الأوكران من ضرب العمق الروسي، ليطولوا العاصمة موسكو، وعطَّلوا كذلك الأسطول الروسي في البحر الأسود، وكلما طال الوقت زادت خسائر روسيا، وتوسعت قدرات أوكرانيا، وتشابكها عسكرياً واقتصادياً مع أوروبا؛ فأوكرانيا أصبحت مثل إسبارطة، دولة عسكرية، ومتقدمة، تصدِّر تكنولوجيا الأسلحة لدول مهمة في أوروبا والخليج العربي.هذه الوقائع أسقطت بديهيات في حرب أوكرانيا، منها: استحالة قهر روسيا، وهشاشة أوروبا، وأن الأوراق بيد أميركا؛ فأوروبا بفضل تهديدات ترمب بدأت مسيرة بناء قدراتها العسكرية، وتشكيل «ناتو» أوروبي، واستطاعت أن تعوض كل الدعم الأميركي لأوكرانيا، وتمكنت من تعويم الاقتصاد الأوكراني؛ بل أصبحت قادرة على قول: «لا» لترمب في أزمتَي غرينلاند، والحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران. هذا التحول النوعي إذا ما استمر فسيفرز تبعات بالغة الأهمية، أهمها 3 عناصر:

أولاً، سيحوِّل استقلال القرار الأوروبي أوروبا إلى قوة ثالثة بجانب الصين وأميركا.

ثانياً، سيجبر انحسار النفوذ الروسي في أوكرانيا، وسقوط الأسد، والتراجعات في أفريقيا، روسيا على خيارين: التقارب أكثر مع الصين، أو حل الأزمة الأوكرانية بتوافقات مع أوروبا. الحل الأول سيجعلها تابعة للصين، والثاني سيحوِّلها لقوة فاعلة ومؤثرة في أوروبا.

ثالثاً، سيرسِّخ وجود أوروبا -كقوة ثالثة- مكانة مهمة للقانون الدولي، ولقيم الديمقراطية، وحرية في النظام العالمي، وهذا سيصب في صالح الدول الصغرى.

الحرب الأوكرانية، والحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، من فوائدهما هزُّهما للنظام العالمي، وحمل القوى العظمى على إدراك محدودية القوة، واستيلاد توازنات جديدة؛ فروسيا أدركت محدودية قوتها وكذلك أميركا، والصين ستعرف ذلك في تايوان، والجميع سيقتنع بأن منطق الغاب لا يجلب خيراً للقوي ولا للضعيف وأن الحل بتوازنات معقولة، والاحتكام لمرجعية قانونية، وإلا فإن البديل: حروب مدمرة، وموت للحواضر، ومستقبل كالح.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى