
حسين زلغوط – خاص ـ “رأي سياسي”:

تنطلق اليوم المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في جولتها السابعة، وسط عناوين بحث أكثر حساسية وتعقيدًا من الجولات السابقة، حيث يُفترض الانتقال اليوم من لغة التعهدات إلى امتحان التنفيذ. فبعد أشهر من الاتصالات والجولات المتتالية، باتت الأسئلة المطروحة تتعلق بكيفية ترجمة ما تم الاتفاق عليه، أكثر مما تتعلق بصياغة المبادئ العامة أو إطلاق المواقف الدبلوماسية.
فالجولة الجديدة تأتي في مرحلة تتشابك فيها الحسابات اللبنانية مع التطورات الإقليمية والدولية، فيما تبدو واشنطن حريصة على تحقيق اختراق عملي يثبت نجاح المسار التفاوضي، ويحول دون انزلاق الجانبين اللبناني والإسرائيلي مجددًا إلى مواجهة جديدة. إلا أن هذا الطموح الأميركي يصطدم بواقع سياسي وأمني شديد التعقيد، إذ لا تزال الهوة واسعة بين رؤية لبنان ومتطلبات إسرائيل، الأمر الذي يجعل النجاح رهنًا بإيجاد تسوية توقف ما يجري يوميًا على أرض الجنوب من هدم وجرف للبيوت والأراضي من قبل إسرائيل.
وينطلق الموقف اللبناني من أولوية واضحة تتمثل في وقف العمليات العسكرية بصورة كاملة، باعتبار أن أي حديث عن ترتيبات أمنية يبقى فاقدًا للجدوى في ظل استمرار الاعتداءات والضربات التي تعيق عودة الحياة الطبيعية إلى القرى الجنوبية. كما يطالب لبنان بتوسيع المناطق النموذجية التي تشهد إجراءات ميدانية مشتركة، بما يسمح بإعادة السكان تدريجيًا، وإطلاق عجلة إعادة الإعمار، وإثبات أن المفاوضات قادرة على إنتاج نتائج ملموسة يشعر بها المواطن الجنوبي.
وفي المقابل، تتمسك إسرائيل بمقاربة مختلفة تقوم على أولوية الضمانات الأمنية وآليات التحقق المسبق، معتبرة أن أي انسحاب أو تخفيف للإجراءات العسكرية يجب أن يسبقه التأكد من تنفيذ الالتزامات الميدانية بصورة كاملة، مع الإصرار على الاحتفاظ بما تسميه “حرية العمل العسكري” إذا رأت أن أمنها مهدد. وهذه النقطة تحديدًا تشكل العقدة الأساسية في المفاوضات، لأنها تتعارض مع المفهوم اللبناني للسيادة، الذي يرفض أي استثناء يمنح إسرائيل حق القيام بعمليات داخل الأراضي اللبنانية.
من هنا، تتحول مفاوضات روما اليوم إلى ساحة اختبار حقيقية لإمكان التوفيق بين مطلبين متناقضين: سيادة كاملة يطالب بها لبنان، وضمانات أمنية واسعة تصر عليها إسرائيل. وبين هذين السقفَين، تتحرك الوساطة الأميركية في محاولة لبناء تفاهمات تدريجية تقوم على مراحل متتالية، بدلًا من الحلول الشاملة دفعة واحدة.
ولا يقتصر تأثير هذه الجولة على الجنوب اللبناني فحسب، بل يمتد إلى المشهد السياسي الداخلي أيضًا. فنجاح المفاوضات سيمنح الدولة اللبنانية دفعًا معنويًا وسياسيًا يؤكد قدرتها على إدارة الملفات السيادية عبر المؤسسات الشرعية، كما سيعزز موقعها أمام المجتمع الدولي في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى استقرار أمني يشكل المدخل الطبيعي للنهوض الاقتصادي وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار.
أما إذا تعثرت هذه الجولة، فإن ذلك سيعيد المنطقة إلى دائرة القلق، لأن غياب التفاهمات التنفيذية يعني بقاء الوضع الميداني رهن الاحتمالات المفتوحة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر الاشتباك اليومي بين حزب الله والإسرائيليين، وإمكانية توسع أي حادث أمني إلى مواجهة يصعب احتواؤها.
وفي موازاة ذلك، يدرك جميع المشاركين في عملية التفاوض أن الوقت لم يعد يحتمل أي مناورات، فإطالة أمد المفاوضات من دون نتائج عملية قد تؤدي إلى تآكل الثقة بالمسار التفاوضي، بينما يحتاج اللبنانيون، ولا سيما أبناء الجنوب، إلى مؤشرات واضحة تؤكد أن الحوار ليس مجرد عملية لإدارة الأزمة، بل طريق فعلي نحو إنهائها.
لهذا، تبدو الجولة السابعة اليوم مختلفة عن سابقاتها، فهي ليست جولة لاستكشاف المواقف، بل لاختبار النيات، وليست مناسبة لإعادة إنتاج الخطابات التقليدية، بل فرصة لترجمة الالتزامات إلى خطوات ميدانية قابلة للتنفيذ. وإذا نجحت في تضييق الفجوة بين متطلبات الأمن ومقتضيات السيادة، فقد تؤسس لمرحلة جديدة أكثر استقرارًا على الحدود. أما إذا بقي كل طرف متمسكًا بسقفه السياسي والأمني، فإن روما ستنضم إلى سلسلة الجولات التي حققت تقدمًا في الشكل، لكنها عجزت عن إحداث التحول المطلوب في الواقع الميداني، ليبقى الجنوب معلقًا بين هدنة هشة وسلام لم يحن أوانه بعد.




