رأي

ترامب يستعد لحرب طويلة

جوناثان ليمير ونانسي أ. يوسف – مجلة “ذا أتلانتيك” الأميركية:

يعكف الجيش الأميركي على وضع خطط طويلة الأمد لقواته في الخليج، مما يهدّد بزيادة الضغوط على القوات البحرية.

وفقاً لرواية إدارة ترامب، فإنّ الحرب مع إيران تكاد تكون قد انتهت؛ غير أنّ الوضع العسكري الأميركي يشير إلى واقع مغاير، إذ يجري حالياً تموضع القوات البحرية لضمان وجود مستمر لها، على الأقل حتى نهاية العام، مما يُبقي خيار التصعيد قائماً.

وتعمل البحرية الأميركية على تحريك حاملات الطائرات، التي تُعدّ أبرز أصولها العسكرية، حول العالم، بهدف نشر اثنتين منها داخل الخليج ومحيطه خلال الأشهر الأخيرة من هذا العام؛ وهو ما يمنح الولايات المتحدة القدرة على توجيه ضربات لكلّ من إيران وميليشيا الحوثي المدعومة منها في اليمن، والتي أطلقت مؤخراً وابلاً من الصواريخ باتجاه المملكة العربية السعودية. وفي الوقت نفسه، قرّر الجيش تمديد فترة نشر وحدات من الفرقة 82 المحمولة جواً، الموجودة بالفعل في المنطقة، وذلك استجابةً لـ”متطلّبات عملياتية”.

لقد استمر الصراع الذي دخل الآن شهره السابع، فترةً أطول بكثير مما توقّعه الرئيس في البداية، حين كان يراهن على تحقيق النصر في غضون أسابيع قليلة. ومؤخّراً، عمد كبار المسؤولين إلى التقليل من شأن الصراع وحجمه، في مسعى -على ما يبدو- لإبعاد القضية عن دائرة الضوء الإعلامي؛ فقد صرّح نائب الرئيس “فانس” للصحافيين الأسبوع الماضي بأنّ الولايات المتحدة ليست في حالة حرب على الإطلاق. وعقب ذلك بوقت قصير، وصف الرئيس “ترامب” الصراع بأنه “أمر تافه” (أو مسألة هامشية)، رغم أنه عاد لاحقاً ووصفه بأنه “حرب”.

وفي أعقاب استهداف إيران لسفينة حربية أميركية، قامت البحرية الأميركية، يوم الثلاثاء، بإغراق خمس ناقلات نفط خام إيرانية، وذلك وفقاً لما أعلنته القيادة المركزية الأميركية. وفي ظلّ غياب أيّ محادثات جارية أو بوادر تلوح في الأفق لإنهاء الأعمال العدائية، تواصل البحرية الأميركية البقاء في حالة تأهّب قصوى (حالة حرب) لأجل غير مسمّى، مما يزيد من الأعباء الثقيلة الملقاة بالفعل على عاتق القوات البحرية ومخزونات الذخيرة الأميركية.

واجهت حاملة الطائرات “يو أس أس أبراهام لينكولن”، التي قضى طاقمها 264 يوماً متتالياً في عرض البحر، وأسقطت أكثر من 1.5 مليون رطل من الذخائر، فترة انتشار طويلة بشكل غير معتاد، تخلّلتها مشكلات تمثّلت في نقص الغذاء والإمدادات، وأعطال في شبكات السباكة، وتراجع في الروح المعنوية. وفي النهاية، غادرت “لينكولن” متجهة إلى تايلاند، بعد أن حلّت محلّها حاملة الطائرات “يو أس أس جورج واشنطن”.

وقد انضمّت “واشنطن” إلى نحو 20 سفينة أخرى في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك “يو أس أس جورج أتش دبليو بوش”، وهي حاملة طائرات أخرى توجد هناك منذ شهر نيسان/أبريل. والآن، تستعدّ المجموعة الضاربة المرافقة لحاملة الطائرات “يو أس أس ثيودور روزفلت” لمغادرة قاعدتها في سان دييغو، لتحلّ محلّ “واشنطن”، التي من المتوقّع أن تنهي مهمتها بحلول نهاية العام.

وباختصار، صرّح مسؤولون أميركيون بأنّ البحرية تخطط للإبقاء على مجموعتين ضاربتين من حاملات الطائرات في الشرق الأوسط، بالقرب من إيران، لما تبقّى من عام 2026 على الأقل. وأشار المسؤولون إلى أنّ البحرية نادراً ما حشدت مثل هذا الوجود القوي في المنطقة منذ ذروة حربي أفغانستان والعراق، وأنّ هذه الخطوة تعكس دراسة الإدارة الأميركية لاحتمالية تكثيف حملة الضربات العسكرية بعد شهر تشرين الثاني/نوفمبر.

وفي حديثه للصحافيين أواخر الشهر الماضي، هيّأ الأدميرال داريل كودل، رئيس العمليات البحرية، طاقم “روزفلت” لمواجهة أوقات عصيبة وفترة انتشار طويلة في البحر، ولا سيما أنّ الهجمات الإيرانية على القواعد الأميركية في الخليج جعلت من الصعب للغاية السماح للبحّارة بالنزول إلى البر. وقد أقرّ كودل بأنه لا يستطيع تحديد المدة التي ستستغرقها مهمة “روزفلت”، مشيراً إلى احتمالية استمرار تمديد فترة انتشارها.

قال كودل، وفقاً لما نقلته وكالة “USNI News”: “إذا كنا نعلم أننا نتجه نحو منطقة خطر، فينبغي أن نكون قادرين على تقدير المدة التي ستبقى فيها حاملة الطائرات ومجموعتها القتالية في موقع العمليات بدقة أكبر قليلاً. نحن نقوم بتمديد فترات الانتشار هذه على مراحل متقطّعة، ولا ترى العائلات أيّ موعد نهائي محدّد يمكنها، بناءً عليه، التخطيط لحياتها؛ وهذا يسبّب ضغوطاً كبيرة للبحّارة”. وأضاف: “عادةً لا أحبّذ عمليات التمديد هذه، وأعارضها بشدّة، لكنْ للعدو أيضاً رأي في الأمر”.

إنّ الصراع الممتد ليس ما يريده البيت الأبيض على الإطلاق؛ فقد كان ترامب يحاول الانسحاب من الحرب منذ أشهر، وغالباً ما كان يشعر بالإحباط لعجزه عن إجبار إيران على الاستسلام بالقوة، وبالغضب لاستمرار طهران في تحدّي تهديداته النارية.

وفي الأسابيع الأخيرة، استقرّت الإدارة الأميركية على نهج ممارسة الضغوط الاقتصادية، في محاولة لإجبار طهران على التفاوض بجدّية أكبر. وقد صرّح مسؤولون لنا بوجود مؤشّرات على نجاح هذا النهج، وأنّ الاقتصاد الإيراني -المتضرّر أصلاً- بات يترنّح أكثر فأكثر؛ غير أنّ الضغوط الاقتصادية قد تستغرق أشهراً أو سنوات لتؤتي ثمارها بالكامل.

كما أظهر المتشدّدون في إيران، منذ فترة طويلة، استعداداً لتجاهل معاناة شعبهم إذا كان ذلك يعني إحكام قبضتهم على السلطة. وقد ألمح ترامب أمس إلى صمود إيران، إذ قال للصحافيين، قبل صعوده إلى طائرة الرئاسة (Air Force One)، إنه يعتقد الآن أنّ طهران ستحاول الصمود حتى ما بعد الانتخابات الأميركية، بينما يرى بعض مساعديه أنّ الأمر قد يستغرق وقتاً أطول من ذلك.

ومن جانبها، أبلغتنا القيادة المركزية الأميركية بأنها لا تناقش تحرّكات القوات المستقبلية.

قد يحمل فرض حصار اقتصادي مستمر فوائد سياسية للإدارة الأميركية؛ إذ يُبقي الصراع -غير المحبوب شعبياً- هادئاً ومكتوماً، بينما يخوض الجمهوريون الانتخابات هذا الخريف. غير أنّ التعقيد الكامن في هذه الخطة يكمن في أنّ الوضع الراهن سيُبقي أسعار الوقود مرتفعة على الأرجح؛ ولهذا السبب، صبّت الإدارة تركيزها على مضيق هرمز، وهو ممرّ مائي حيوي لإمدادات الطاقة العالمية، حيث استولت عليه إيران وأغلقته فعلياً في الأيام الأولى للحرب.

وقد صرّح ترامب لمستشاريه، في جلسات خاصة، بأنه يتوق لإعلان النصر والمضي قدماً، لكنه يقرّ بأنه لا يستطيع فعل ذلك بمصداقيّة طالما ظلّ المضيق مغلقاً إلى حدّ كبير أو مهدّداً من قبل إيران؛ وذلك حسبما أفادنا مسؤول بارز في البيت الأبيض ومستشار من خارج الإدارة، شريطة عدم الكشف عن هويتيهما نظراً لحساسية المداولات الداخلية. وقد وافق الرئيس بالفعل على تحرّك عسكري في محيط المضيق لمعاقبة إيران على مساعيها الرامية إلى عرقلة الحصار الأميركي.

كما بدأت الإدارة الاستعداد لاحتمال أن تدفع حملة الضغط الاقتصادي إيران إلى تكثيف هجماتها، مما يستدعي تعزيز الوجود العسكري الأميركي، وفقاً للمسؤول البارز. ورغم أنّ ترامب يفضّل إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن، فقد أبدى استعداداً للنظر في استئناف حملة عسكرية أكثر استدامة، وإن كان ذلك لن يحدث على الأرجح إلا بعد انتخابات التجديد النصفي، وبعد أن تعوّض وزارة الدفاع (البنتاغون) بعض مخزوناتها المستنزفة من الأسلحة.

وفي الوقت الراهن، يبدو أنّ طهران تميل إلى التصعيد.

ففي الأيام القليلة الماضية، هاجمت القوات الإيرانية سفناً تجارية، وهدّدت بفرض منطقة حظر بحري في الخليج (وهو أمر ترفضه الولايات المتحدة ودول الخليج الأخرى رفضاً قاطعاً)، ووجّهت صواريخ باليستية نحو سفن بحرية أميركية قريبة، وتعهّدت “بالتحرّك ضدّ أيّ تهديد، حتى قبل تنفيذه”. وقد حملت تحرّكات طهران هذه، مجتمعةً، رسالة مفادها: نحن مستعدّون لاتخاذ خطوات كبيرة وجريئة للتوصّل إلى اتفاق.

كما يعمل النظام على تهيئة مواطنيه لتحمّل مصاعب طويلة الأمد، داعياً إلى الوحدة الوطنية في ظلّ التضخّم المتفشّي ونقص السلع الناجمين عن العقوبات الأميركية. وفي هذا الصدد، قال لنا فالي نصر، أستاذ الشؤون الدولية ودراسات الشرق الأوسط في كلية الدراسات الدولية المتقدّمة بجامعة جونز هوبكنز: “رسالتهم هي أنّ الولايات المتحدة تستخدم الضغط الاقتصادي لإشعال انتفاضة أخرى في إيران، تمهيداً للحرب الكبرى المقبلة. إنهم يحاولون تهيئة السكان لحقيقة أنه لن يكون هناك حلّ في المدى القريب”.

ليست حاملات الطائرات السفن الوحيدة القادرة على دعم الحصار الأميركي لمضيق هرمز، لكنها تمنح الولايات المتحدة ميزة لا توفّرها السفن الأخرى: مطار عائم متنقّل قادر على شنّ عمليات قتالية مستمرة بسرعة، ومن دون الاعتماد على قواعد في دول قد تتعرّض لهجوم إيراني. وبشكل أوسع، تُعدّ حاملات الطائرات أداة ردع ومظهراً لاستعراض القوة والنيّات الأميركية؛ ومع ذلك، فهي تكشف أيضاً عن حدود القدرات الأميركية.

وطالما توجد اثنتان من حاملات الطائرات الأميركية العشر المتاحة بالقرب من الخليج، لا تستطيع البحرية الحفاظ على وجود حاملة طائرات في منطقة أخرى من العالم من دون فرض ضغوط هائلة على القوات؛ فبقيّة الحاملات إما تخضع للصيانة في أحواض بناء السفن، أو تمرّ بمرحلة إعادة التجهيز بين فترات الانتشار. وفي كلّ مرّة تمدّد فيها الولايات المتحدة فترة انتشار إحدى الحاملات، يختلّ جدول العمل في أحواض بناء السفن لأشهر، كما يفرض ذلك أعباءً إضافية على البحّارة وعائلاتهم. ويعني هذا أيضاً غياب حاملات الطائرات عن منطقة المحيط الهادئ، حيث يُفترض أن تظهر واشنطن عزمها على الدفاع عن حلفائها وتايوان في مواجهة أيّ عدوان صيني محتمل، فضلاً عن عدم وجود أيّ حاملة طائرات منتشرة في نصف الكرة الغربي.

قال لنا برايان كلارك، خبير الشؤون الدفاعية في معهد هدسون: “بمجرّد أن قرّرت الإدارة اعتماد الحصار كمسار رئيسي للتحرّك، خلصت أيضاً إلى أنّ هذه ستكون حملة طويلة الأمد. لكنّ الإبقاء على حاملات الطائرات في الخليج لتنفيذ ضربات استجابة سيعوق الحفاظ على وجودها في مناطق أخرى؛ وقد نشهد تآكلاً في النفوذ الأميركي في مناطق مثل آسيا والمحيط الهادئ، وتحديداً في اليابان وتايوان”.

وأخبرنا مسؤولون في قطاع الدفاع أنّ حلفاء الولايات المتحدة يتوقّعون بالفعل تراجعاً في ثبات وتيرة وجود حاملات الطائرات الأميركية في آسيا، حيث تبحث اليابان والفلبين سبل تعزيز قواتهما البحرية استجابةً للتهديد الصيني. وفي الوقت نفسه، تعتمد الولايات المتحدة على تشكيلة مختلفة من السفن لعملياتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك سفن القتال الساحلي التي تدعم عادةً منطقة الشرق الأوسط، لكنها وصلت إلى سنغافورة لإجراء عمليات صيانة بعد فترة وجيزة من بدء التوتر مع إيران؛ كما تسعى البحرية الأميركية إلى إعادة بعض تلك السفن إلى منطقة الخليج أيضاً.

وسيواجه البحّارة على متن حاملات الطائرات في الخليج مسرح عمليات تفرض طبيعتَه إصرارُ إيران ومواقفُها الثابتة. ونتيجةً للهجمات التي شنّتها طهران على مدار الأشهر الستة الماضية، فقدت الولايات المتحدة البنية التحتية اللازمة لدعم زيارات متعدّدة للموانئ من قِبَل حاملات الطائرات في مواقع مثل البحرين والإمارات العربية المتحدة.

وفي الوقت الراهن، وإلى أن تعثر البحرية على مواقع بديلة تتيح للأطقم فترات راحة وإجازات قصيرة -سواء في أفريقيا أو ربما في أماكن بعيدة مثل سنغافورة-، فمن المرجّح أن تقتصر زيارات مجموعات حاملات الطائرات الضاربة على محطتين فقط خلال فترات الانتشار الطويلة: واحدة أثناء التوجّه إلى منطقة العمليات، والأخرى أثناء العودة إلى الوطن. ونظراً لقلّة الموانئ الآمنة القريبة، بات لزاماً إجراء عمليات إعادة الإمداد انطلاقاً من قواعد أكثر بُعداً، مثل قاعدة “دييغو غارسيا” الواقعة في إقليم بريطاني بوسط المحيط الهندي.

وقد أوضح لنا أحد مسؤولي الدفاع السابقين قائلاً: “سيكون هذا هو الوضع الطبيعي الجديد”.

تستمر فترات الانتشار المعتادة لحاملات الطائرات ما بين ستة وثمانية أشهر. غير أنّ فترات التمديد في منطقة الخليج ليست سوى أحدث حلقة في سلسلة من فترات الانتشار الأطول أمداً التي شهدها العقد الماضي، حيث سعت الولايات المتحدة إلى الحفاظ على وجود بحري قوي في كلّ من أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، والآن في نصف الكرة الغربي أيضاً؛ فقد قادت حاملة الطائرات “يو أس أس جيرالد آر فورد” (USS Gerald R. Ford) الأسطول الذي مارس ضغوطاً على كاراكاس في الفترة التي سبقت محاولة الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو في شهر كانون الثاني/يناير.

تُخلّف عمليات الانتشار المطوّلة آثاراً سلبية على جميع مستويات الخدمة، إذ تستنزف الوقت المخصص للصيانة والتدريب. وقد أدّى ذلك إلى تراجع مستمر في استبقاء البحّارة وجاهزيتهم. يقول جون بندلتون، الذي أدار أعمال الجاهزية العسكرية في مكتب محاسبة الحكومة لأكثر من عقد: “عندما تُفرّط في استخدام أحد الأصول، ستدفع الثمن في نهاية المطاف”.

وقد شهدت البحرية آثار هذه الضغوط من قبل. ففي عام 2017، وبعد حادثتي تصادم مميتتين بين مدمّرتين في المحيط الهادئ بفارق شهرين فقط، أقرّ مسؤولو البحرية بأنّ وتيرة العمليات المكثّفة ساهمت في ذلك؛ فقد كُلّفت السفن مراراً وتكراراً بتلبية المتطلّبات، على الرغم من النقص في التدريب والصيانة والكوادر، مما أدّى إلى إرهاق الطواقم، وفي بعض الحالات، إلى استنزافها. وبعد مرور ما يقرب من عقد من الزمان، لا يزال هناك خطر مماثل قائماً في الخليج.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى