رأي

اهتزاز العرش الأميركي وبداية عصر الأقطاب المتعددة

مصطفى أمين – العرب:

طوفان الأقصى كشف هشاشة القطب الواحد وأظهر أن أميركا لم تعد قادرة على فرض هيمنتها المطلقة فيما تتشكل أقطاب جديدة تتحدى النظام الدولي.

منذ بداية طوفان الأقصى عام 2023، تشكّلت سردية جديدة لم تكن في الحسبان: هل نشهد ولادة عالمٍ متعدد الأقطاب؟

لزمنٍ طويل، تربّعت أميركا على عرش النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي. ولكن مع تطور ونمو المجتمعات والحضارات بشكل عام، أصبح هذا العرش مهزوزًا، أو على الأقل قابلًا للاهتزاز؛ إذ إنّه بُني لعقودٍ طويلة على حساب الضعفاء. ومع هذا النمو، ومع نظر الذات المهشّمة إلى نفسها ومصيرها، برزت الحاجة إلى هزّ هذا العرش والاعتراض على ألوهيةٍ باطلةٍ ومزعومة.

كان أول هذا الاهتزاز مع بداية طوفان الأقصى؛ فمعه تزعزعت سلطة أميركا وإسرائيل. وعلى الرغم من الزخم العسكري الموظّف في الحرب، فإن ذلك لا يعني الانتصار. لقد برز الطوفان كتحدٍّ للتسلّط ولأحادية القطبية في العالم. ثم تسارعت الأحداث بدخول إيران وأذرعها، ومع هذا التشابك بدا أن سردية القطب الواحد، سياسيًا وكونيًا، لم تعد نافعة.

لا يهمّ هنا بحث مسألة الحق أو العدل، بقدر ما تهمّنا النظرة القطبية. فقد برزت إيران وحلفاؤها كقوةٍ تسعى إلى تشكيل قطبٍ مهيمنٍ بارد، منفصلٍ عاطفيًا. ومما يؤكد ذلك فشل المفاوضات المتكررة بين إيران وأميركا، وكذلك بين إسرائيل ولبنان، إذ ترفض إيران الاستسلام أو الخضوع لقوى الغرب. لا يعني هذا تأييدًا أو معارضة، بل هو قراءة لسردية سقوط القطب الواحد وصعود أقطاب متعددة.

من الطبيعي، في بداية الأمر، حدوث التنافس والتحدي. لكن هذا الصعود إمّا أن ينتهي بتوافق أقطابٍ يسيطر كلٌّ منها على مجال نفوذٍ معين، أو بإحباط هذا الصعود في مهده. وهذا يفتح مجال التفكير في أن الإسلام الشيعي السياسي قد تراجع إلى حدٍّ كبير، لكن قد يكون هناك صعود جديد، بعيدًا عن الأيديولوجيا، قائم على المصالح الاقتصادية والسياسية قبل أي معتقدٍ أو انتماء.

السعودية والصين وروسيا تتحرك بخطوات متوازية بينما تتداعى المؤسسات الدولية لتدخل المنطقة والعالم مرحلة رمادية يصعب فيها تحديد موازين القوى المستقرة

وتجدر الإشارة إلى فشل الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، ومنظومة حقوق الإنسان، في التعامل مع حرب غزة وحرب أوكرانيا. وهي مؤسسات تُعدّ، في جوهرها، جزءًا من النظام الدولي الذي تقوده أميركا. في المقابل، برزت مفاوضات ومبادرات مصرية وتركية كبدائل جزئية.

إضافةً إلى ذلك، استخدمت أميركا ما يُعرف بـ”عسكرة الاقتصاد”، من خلال فرض الحصار والعقوبات على الدول المعارضة، مما دفع هذه الدول إلى البحث عن بدائل وطنية أو إقامة تحالفات اقتصادية تُشكّل في مجموعها قوةً صاعدة.

واللافت أن الصين وروسيا، على الرغم من صعودهما، لا تمتلكان نموذجًا واضح المعالم يحلّ محل النموذج الغربي، مما يفتح المجال لفوضى دولية واضطرابٍ في موازين القوى. وقد نشهد دولًا تصعد وأخرى تهبط، في مرحلة يمكن وصفها بـ”اللانظام”، وهي مرحلة مرشحة لأن تطول وتؤثر سلبًا في الاقتصاد العالمي.

كما أن تشابك المصالح الاقتصادية بين أميركا والصين يجعل من الصعب حدوث قطيعةٍ كاملة بينهما، ولذلك يُرجّح أن تبقيا فاعلين أساسيين من وراء الكواليس، لا في الواجهة المباشرة.

أما الدول العربية، فتميل حتى الآن إلى الحياد أو التهدئة. فعلى الرغم من بيانات الشجب والإدانة، فإنها تتجنب الانخراط المباشر في صراعاتٍ كبرى، إدراكًا لعدم قدرتها على تحمّل تبعاتها. كما أن أولويات الاستقرار الداخلي والتعامل مع الأزمات المحلية تبقى مقدّمة على أي انخراطٍ خارجي.

النظام القديم يتداعى ويتفكك، بينما النظام الجديد ما يزال في مخاضٍ عسير. نحن حاليًا في مرحلة رمادية، يصعب فيها تحديد من هو الأقوى ومن هو الأضعف

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى