المواقف التركية في ظل الحرب على إيران

هدى رزق – الميادين:
تركيا تريد حماية استقرار حدودها ومنع تغيير النظام بالقوة الخارجية، وهذا لا يمنع محاولتها استغلال الحرب لتعزيز مكانتها كقوة إقليمية مستقلة قادرة على التحدث مع جميع الأطراف.
ارتكز الموقف التركي في ظل اتجاه الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران على توازن دقيق، ينطلق من فكرة الحياد ولعب دور الوسيط لتقليل المخاطر الإقليمية.
أدانت تركيا الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران واعتبرتها انتهاكاً للسيادة الإيرانية والقانون الدولي. اتخذت خطوة عملية بإغلاق مجالها الجوي أمام العمليات القتالية الأميركية ضد إيران. ووصف الرئيس إردوغان العمليات العسكرية بأنها “فخ” يهدف لزرع الفتنة بين الدول المسلمة، وحذر دول الخليج من الانضمام للتحالف الأميركي-الإسرائيلي.
عملت أنقرة كوسيط لنقل الرسائل بين طهران وواشنطن وبين إيران ودول الخليج لتجنب سوء الفهم وتوسيع رقعة الحرب. عقدت تركيا في أنطاليا اجتماع مع قادة باكستان وقطر لبحث إطار أمني إقليمي جديد بعيداً عن التدخلات الخارجية.
تركيا وأهمية الأمن القومي
لا شك في أن تركيا تخشى بشكل حقيقي انهيار النظام في طهران أو إضعافه ما قد يؤدي الى فراغ يمكن أن تستغله جماعات كردية انفصالية، إلا أنها انتقدت الهجمات الصاروخية الإيرانية الانتقامية التي استهدفت دول الخليج، واصفة إياها بأنها “خاطئة وغير مقبولة”. استخدمت تركيا أنظمة اعتراض الناتو لإسقاط صواريخ إيرانية.
تركيا تريد حماية استقرار حدودها ومنع تغيير النظام بالقوة الخارجية، وهذا لا يمنع محاولتها استغلال الأزمة لتعزيز مكانتها كقوة إقليمية مستقلة قادرة على التحدث مع جميع الأطراف.
لعبت دوراً ضد الهجمات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت البنية التحتية للطاقة في السعودية والإمارات والكويت حين أبلغ وزير الخارجية التركي، هكان فيدان، نظراءه الإيرانيين أن قصف دول الخليج “استراتيجية خاطئة تماماً”، كما تم بذل جهوداً دبلوماسية مكثفة لإقناع دول الخليج بعدم الانضمام للتحالف العسكري الأميركي-الإسرائيلي ضد إيران.
توازن تركيا علاقتها بالخليج عبر مشاريع استراتيجية “انتصار إيران” بالنسبة لها يعني بقاءها كدولة مستقرة تحمي الحدود وهي تستغل تضرر اقتصادات الخليج من الحرب للترويج لمركز إسطنبول المالي كوجهة آمنة للاستثمارات، مما يجعلها مستفيدة اقتصادياً من دور “الملاذ الآمن” وسط الصراع.
تضع نفسها كحلقة وصل وحيدة قادرة على التحدث مع واشنطن، طهران، والرياض في آن واحد، لكنها في الوقت عينه لا تحبذ “انتصاراً إيرانياً” يمنح طهران هيمنة مطلقة على الخليج، بل تريد “صموداً إيرانياً” يحفظ توازن القوى، مع ضمان أمن حلفائها الاقتصاديين في الخليج الذين يمثلون شريان الحياة لاقتصادها المتعثر.
العلاقة مع الاتحاد الأوروبي وترامب في ظل الحرب على إيران
ترسم تركيا علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، والناتو، وإدارة ترامب من خلال “الحياد الاستراتيجي” حيث تضع نفسها كقوة مركزية قادرة على توليد الأمن في المسرح الأوروبي ووسيط أساسي في حرب إيران.
وهي نجحت في بناء علاقة قوية مع الرئيس ترامب، حيث يعمل وزير الخارجية هاكان فيدان كـ “ناقل للرسائل” بين واشنطن وطهران لتجنب الصدام الشامل. تستغل علاقتها بترامب لمحاولة العودة لبرنامج طائرات F-35 ورفع العقوبات الأميركية المفروضة عليها منذ 2020.
وهي تستعد لاستضافة قمة “الناتو” في يوليو 2026، مما يعزز مكانتها كعضو لا غنى عنه رغم التوترات. كشفت الحرب على إيران انقساماً داخل “الناتو”؛ فبينما يهدد ترامب بالانسحاب من الحلف لرفض أعضاء أوروبيين المشاركة في حصار إيران، ترفض تركيا أيضاً الانخراط العسكري المباشر وتغلق أجواءها أمام الضربات.
ومع تزايد عدم اليقين بشأن التزامات ترامب الأمنية تجاه أوروبا، برزت تركيا كشريك حيوي لتعزيز قدرات الدفاع الأوروبية المستقلة. هناك توجه نحو نموذج جديد حيث تنخرط تركيا في مشاريع دفاعية مثل “مبادرة درع السماء الأوروبية” وصفقات طائرات يوروفايتر، بينما تظل مفاوضات العضوية السياسية مجمدة.
يرى خبراء في بروكسل أن نهج ترامب القاسي تجاه أوروبا يدفعها “قسراً” لتعزيز التعاون الأمني مع تركيا كقوة موازنة. وتستخدم تركيا ثقلها العسكري في الناتو لتكون البديل الأمني لأوروبا في حال انسحاب أمريكا، كذلك تستخدم علاقتها الشخصية بترامب لتكون الوسيط الوحيد القادر على إنهاء الحرب الإيرانية، مما يمنحها هامش مناورة استثنائياً في النظام الدولي الجديد .
تركيا والتحولات العميقة في العلاقة مع “إسرائيل” في ظل الحرب على إيران
في ظل الحرب على إيران تحولت العلاقة التركية-الإسرائيلية إلى حالة من “الصدام الجيوسياسي العلني”، حيث ترى أنقرة أن الأجندة الإسرائيلية لا تستهدف طهران فحسب، بل تسعى لإعادة هندسة المنطقة عبر مشروع “الشرق الأوسط الجديد” بما يضر بالأمن القومي التركي مباشرة، خاصة في الملف السوري. تخشى تركيا أن يؤدي إضعاف إيران والنظام السوري بضربات إسرائيلية إلى خلق “فراغ سلطة” في شمال وشرق سوريا تستغله القوات الكردية بدعم إسرائيلي-أميركي.
وترى أن “إسرائيل” تسعى لفرض “شرعية” جديدة في الجنوب السوري (درعا والقنيطرة) كمنطقة عازلة، وهو ما تعتبره تركيا تهديداً لوحدة الأراضي السورية وتثبيتاً لنفوذ إسرائيلي دائم على حدودها الجنوبية. عززت دعمها لفصائل المعارضة السورية الموالية لها لضمان سيطرتها على الأرض ومنع تمدد النفوذ الإسرائيلي أو الكردي في حال انهيار توازن القوى الحالي.
تبذل جهداً دبلوماسياً لإقناع المجتمع الدولي بأن التحركات الإسرائيلية ليست “دفاعاً عن النفس” بل هي محاولة لفرض واقع سياسي جديد يقوم على تفتيت الدول الكبرى.
يسعى إردوغان لعزل الموقف الإسرائيلي دولياً من خلال تصوير “إسرائيل” كعائق أمام الاستقرار العالمي، محذراً من أن الأطماع الإسرائيلية لن تتوقف عند حدود إيران بل قد تمتد لتطال السيادة التركية مستقبلاً .
لذلك لا تريد تركيا انتصاراً إسرائيلياً ساحقاً ينهي الوجود الإيراني، لأن ذلك سيجعل “إسرائيل” القوة الوحيدة المهيمنة.
تنظر تركيا إلى “إسرائيل” في هذه الحرب كـ “مهدد وجودي” لمصالحها في سوريا والعراق، وتعتبر أن النظام الذي تحاول “إسرائيل” فرضه في سوريا هو وصفة لتفكيك تركيا نفسها مستقبلاً. لذا، فإن استراتيجيتها هي احتواء إيران دون تمكين “إسرائيل”.
وضع الداخل التركي في ظل الحرب على إيران
تعمل تركيا على تحويل ملف “العداء لإسرائيل” إلى نقطة إجماع وطني داخلي يتجاوز الخلافات الحزبية، مع استخدام هذا الموقف كأداة لتحصين الجبهة الداخلية ضد أي ضغوط خارجية.
تتعامل الحكومة التركية مع التحركات الإسرائيلية في سوريا كتهديد مباشر للحدود التركية. هذا الخطاب يُجبر المعارضة التركية على الاصطفاف خلف الدولة، لأن معارضة هذا الموقف قد تُفسر على أنها “خيانة” للأمن القومي أو تماهٍ مع مشاريع تقسيم المنطقة.
كانت المعارضة التركية تنتقد الحكومة لعدم اتخاذ مواقف قوية كافية ضد “إسرائيل” (مثل استمرار التجارة). في ظل الحرب الحالية، اتخذت الحكومة خطوات راديكالية قطع التجارة الكامل والتحرك في محكمة العدل الدولية مما أغلق الباب أمام المعارضة للمزايدة عليها في هذا الملف، وجعل الحكومة تظهر كقائد للتيار الوطني العام.
يربط إردوغان باستمرار بين الطموحات الإسرائيلية وبين دعم الجماعات الانفصالية الكردية (YPG/PKK) في سوريا وهو يلعب على “الوتر الحساس” لدى كافة أطياف الشعب التركي (قوميين، إسلاميين،وعلمانيين ويساريين) الذين يشتركون في العداء لأي مشروع انفصالي كردي، مما يقلل من حدة الانتقادات الداخلية لسياسة تركيا الإقليمية.
تسمح الحكومة التظاهرات الشعبية الكبرى والخطاب الإعلامي الحاد ضد “إسرائيل”. هذا يعمل كـ “صمام أمان” يمتص غضب الشارع ويوجهه نحو عدو خارجي مشترك، مما يخفف من حدة الاستقطاب الداخلي حول القضايا الاقتصادية أو السياسية الأخرى.
ساعد الموقف من الحرب الإيرانية إردوغان في استعادة بعض من شعبيته لدى هذه القواعد المحافظة التي كانت قد بدأت بالانفضاض عنه، مما أضعف قدرة المعارضة اليمينية على منافسته.
منتدى أنطاليا
عُقد منتدى أنطاليا الدبلوماسي في الفترة من 17 إلى 19 أبريل يعتبر أداة استراتيجية لانتزاع دور “الوسيط المركزي” في الحرب الإقليمية الحالية، لتحويل أنطاليا إلى منصة عالمية لفرض حلول دبلوماسية بديلة عن المسارات العسكرية.
عرضت تركيا استضافة القمة قادة ومفاوضات سلام دائمة لإنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة و “إسرائيل”. الهدف المباشر للمؤتمر هو الضغط لتمديد وقف إطلاق النار المؤقت، حيث صرح وزير الخارجية هاكان فيدان بأن أنقرة تعمل لمنع استئناف الحرب.
جمعت تركيا في اجتماع “رباعي” مغلق كل من وزراء خارجية مصر، باكستان، والسعودية. كان القصد هو بناء إطار أمني إقليمي يرفض الاعتماد على القوى الخارجية مع نفي تركيا رغبتها في تحويل هذا التنسيق إلى حلف عسكري.
ناقش المؤتمر تطوير طرق لوجستية بديلة لتفادي أزمة إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران، حيث تسعى تركيا لترويج نفسها كمركز عالمي لهذه الممرات (مثل طريق التنمية) لضمان استمرارية تدفق الطاقة والتجارة بعيداً عن مناطق الصراع المباشر.
أحد الأهداف كان عزل الأجندة الإسرائيلية، استخدمت تركيا المنصة لوصف سياسات “إسرائيل” بأنها “مشكلة أمنية عالمية”، والهدف هو تحشيد موقف دولي (من قادة 150 دولة مشاركة) ضد استراتيجية “إسرائيل” في توسيع الحرب، كعائق وحيد أمام السلام المستدام.
أرادت تركيا من خلال المؤتمر الإثبات أنها قادرة على بناء حوار مع الخصوم (إيران وأميركا) والحلفاء في آن واحد، مما يعزز مكانتها كقوة إقليمية “مستقلة ذاتياً” لا تتبع إملاءات واشنطن بالكامل ولا تنجر وراء تصعيد طهران.
منتدى أنطاليا كان محاولة ” لحماية إيران من الانهيار الكلي وحماية دول الخليج من الاستهداف، مع وضع تركيا في صدارة المستفيدين سياسياً واقتصادياً من ترتيبات ما بعد الحرب.




