رأي

المأزق السوري في الجنوب

غازي دحمان – العربي الجديد:

يوماً بعد آخر، تتكشّف ملامحُ مأزق سوري يرتسم في جنوب البلاد، هناك حيث يتطوّر المأزق بتحوّله إلى أمر واقع غير قابل لأيّ معالجة، وسط إصرار إسرائيل على صناعة واقع أمني جديد بنسخة متطابقة إلى حدّ بعيد مع ما تفعله في جنوبي لبنان وغزّة، وفي ظلّ عجز حكومة دمشق عن القيام بما من شأنه تغيير المعادلة التي تصنعها إسرائيل، مستغلّةً انهيار موازين القوى، بما يمنحها القدرة على وضع قواعد اشتباك لا قدرة للطرف السوري على التصدّي لها.

تستبيح إسرائيل مناطق واسعة من جنوبي سورية، وتعمل على إعادة هندسة الديمغرافيا بهدوء ومن دون صخب أو اضطرار إلى إعلان الحرب، وتستخدم في سبيل هذا مجموعةً من الأدوات، مثل التضييق الاقتصادي بمنع السكّان من زراعة أراضيهم وريّها من مصادر المياه الموجودة، ولا سيّما في حوض اليرموك ومناطق واسعة في القنيطرة، والاعتقال المكثّف للشباب عبر مداهمات تكاد تكون يومية، الأمر الذي دفع شباباً عديدين إلى الهجرة إلى دمشق، إمّا تجنّباً للاعتقال وإمّا للبحث عن فرص عمل.

ويبدو أنّ إسرائيل تسعى من هذا إلى تجريف المنطقة من عنصر الشباب، في مرحلة أولى، لمنع بروز أيّ مقاومة مستقبلية، ولتضييق الخيارات إلى أبعد الحدود في وجه السلطة السورية، ودفعها إلى التسليم بالأمر الواقع في الجنوب، ثمّ في مرحلة ثانية سيجد سكّانٌ كثيرون أنفسهم مضطرّين إلى مغادرة مناطقهم نتيجة عدم توافر الأمان وانعدام القدرة على تأمين شروط الحياة بعد حرمانهم من الزراعة والرعي والموارد الاقتصادية الوحيدة في جنوبي سورية. ولا يبدو أنّ لدى السلطة في دمشق مقاربة لوقف المنهج الإسرائيلي في قضم مناطق الجنوب، وكانت سابقاً قد راهنت على إدارة ترامب لإجبار إسرائيل على عقد معاهدة أمنية تلزمها بالانسحاب من المناطق التي احتلّتها في جنوبي سورية بعد سقوط نظام الأسد. لكن وفي ظلّ المتغيّرات الحاصلة بعد حرب إيران والتعقيدات التي وجدت واشنطن نفسها فيها، واستنزاف طاقتها الدبلوماسية في إقناع إسرائيل بالقبول بحلّ للحرب الإيرانية، من غير المحتمل أن تعطي موضوع جنوبي سورية أهمّيةً ما في المرحلة المقبلة. أمّا الرهان على عملية سلام عربية مع إسرائيل، ولا سيّما السعودية وقطر، فلا يبدو أنّ هناك أفقاً لهذا الأمر بعد التطوّرات في المنطقة.

تجاوزت إسرائيل الضغط على دمشق من أجل توقيع سلام بشروط إسرائيلية إلى احتلال دائم لأراضٍ في جنوبي سورية

في الشقّ الجنوبي الآخر، أي السويداء، لا يقلّ المأزق استفحالاً عن نظيره في درعا والقنيطرة، إذ وصلت الأمور إلى طريق مسدود تماماً جرّاء إصرار قوى الأمر الواقع بقيادة الشيخ حكمت الهجري على إغلاق أبواب التفاوض نهائياً مع دمشق، والسير في طريق الانفصال، وتواجه سلطة دمشق أزمةً مركّبةً في السويداء، من جهة إسرائيل التي قد تتحيّن أيّ محاولة للحكومة لفكّ هذا الاستعصاء بالقوّة، ولا ترغب، من جهة أخرى، في إعادة التورّط في صراع قد لا تستطيع ضبطه، بما قد يؤثّر في مساعيها في إدارة علاقاتها الخارجية، وفي محاولتها بناء صورة مقبولة لدى القوى والمنظّمات الدولية التي تراقب سياساتها تجاه الأقلّيات.

ولا يبدو أنّ رهان دمشق على انفجار داخلي في السويداء وإطاحة قوى الأمر الواقع الحالية أمر قابل للتنفيذ، بعد أن أمسكت المليشيات التابعة للهجري بمفاصل جبل العرب وأفرغته من أيّ قوّة معارضة، لدرجة أنّ المعارضين للهجري بدؤوا يتسربون إلى دمشق بوصف أن هذا خيارهم الوحيد الممكن، والمشكلة أنّ استمرار الاستعصاء في السويداء يساهم في زيادة انحراف الوضع في جنوبي سورية عن مساره الوطني، ويبقي الأمور دائماً على حافة الصراع واستنزاف الطاقات السورية. ولعلّ أسوأ ما في المأزق السوري في الجنوب، توجّه إسرائيل إلى تبنّي سياسة الانعزال عن المنطقة، والتركيز على عنصر القوة عاملاً وحيداً في تحقيق الأمن الذاتي، وتترجم هذا بإقامة مناطقَ عازلة يشكّل جنوبي سورية واحدة منها، ومن ثم، لا أفق لحلّ هذه المعضلة، على الأقلّ مع وجود حكومات اليمين الإسرائيلي، حتى في حالة ذهاب حكومة المتطرِّفين الحالية، ذلك أنّ مشروع المناطق العازلة أصبح مشروعاً أمنياً وعسكرياً، بغض النظر عن الحزب المسيطر على الحكومة في إسرائيل.

تُدخل إسرائيل الجنوب السوري في معادلات الصراع مع تركيا وحساباتها الجيوسياسية الإقليمية، في ظلّ التحالف الناشئ في المنطقة بين السعودية وتركيا وباكستان

أكثر من هذا، تُدخل إسرائيل الجنوب السوري في معادلات الصراع مع تركيا وحساباتها الجيوسياسية الإقليمية، في ظلّ التحالف الناشئ في المنطقة بين السعودية وتركيا وباكستان، وعلاقة هذه الأطراف بسلطة دمشق، إذ يشكّل الوجود العسكري الإسرائيلي واستمرار الاضطراب في الجنوب ورقةً مهمّةً في تقدير القيادات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية لمواجهة أيّ احتمالات لمحاولة قوى التحالف الثلاثي المذكورة إضعاف إسرائيل. فالجنوب نقطة دفاع متقدّمة ضدّ هذا التحالف، كما أنّ الوجود الإسرائيلي بالقرب من دمشق يُضعف أوراقها، ويقلّل احتمال حصول تنسيق بينها وبين قوى التحالف ضدّ إسرائيل.

بناء على هذا، تعمل إسرائيل لترسيخ المأزق السوري في جنوبي سورية بجناحيه الغربي (درعا والقنيطرة) والشرقي (السويداء). ومن خلال السلوك الإسرائيلي الممنهج، يبدو أنّ الأمر تجاوز مسألة الضغط على دمشق من أجل دفعها إلى عملية سلام بشروط إسرائيلية إلى احتلال دائم لهذه البقعة من الأرض السورية، عبر تهيئة جميع الشروط المناسبة، وإغلاق جميع الفرص الممكنة للحلّ مع دمشق.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى