رأي

القوى الأوروبية تصعد الصراع مع روسيا

Johannes Stern – “Word socialist”:

لا تستطيع أوكرانيا هزيمة روسيا في ساحة المعركة، ولذلك تتبنى استراتيجية في تصعيد الحرب إلى أبعد حد، واستفزاز رد روسي كبير، يؤدي إلى توريط “الناتو” في الصراع.

عشية قمة حلف “الناتو” في أنقرة يومي 7 و8 الشهر الجاري، تدخل الحرب الأوكرانية مرحلة جديدة بالغة الخطورة، حيث تُصعد القوى الإمبريالية الأوروبية بتهور الصراع مع روسيا، مستخدمة أوكرانيا كقاعدة انطلاق لشن ضربات عميقة داخل الأراضي الروسية، وتستعد سياسياً وعسكرياً واقتصادياً لحرب مباشرة بين “الناتو” وروسيا، بينما لن تقتصر هذه الحرب على أوكرانيا، بل ستهدد بابتلاع أوروبا بأكملها، وقد تتصاعد بسرعة نحو صراع نووي.

كل ذلك يوجب على الجماهير في العالم إدراك خطورة هذا الاتجاه واستخلاص العبر السياسية اللازمة؛ فلقد قُتل أو جرح مئات الآلاف من الجنود الأوكرانيين والروس خلال هذه الحرب المستمرة. وقد تدمرت مدن بأكملها ونزح الملايين. ومع ذلك، فإن قوى حلف شمال الأطلسي، وخصوصاً في أوروبا، لا تسعى لوقف المذبحة، بل تصعدها باستعدادها للتضحية بمئات الآلاف، وحتى بالملايين الأرواح بعد.

ويكمن الخطر الرئيسي في أن التمييز بين الحرب بالوكالة والحرب المباشرة بين حلف “الناتو” وروسيا يُطمس بشكل ممنهج. كما يظهر اعتماد ضربات أوكرانيا بعيدة المدى بالطائرات المسيرة والصواريخ على أهداف في عمق روسيا باستهداف منشآت الطاقة، والمواقع الصناعية العسكرية، والمطارات، والموانئ، والبنية التحتية حول موسكو وسانت بطرسبرغ، أنه استند إلى معلومات استخباراتية من حلف “الناتو”، ومراقبة أقماره الصناعية، وتحديد مواقع الاستهداف، وأنظمة الأسلحة، والتوجيه السياسي.

كما تتعمد القوى الأوروبية الضغط على كييف لتصعيد الموقف، لأنها تقدر أن الضربات في عمق الأراضي الروسية ستجبر موسكو على الرد، وأن أي رد روسي سيستخدم لتبرير تدخل أوسع لحلف “الناتو” بمنطق استفزازي سيفضي إلى حرب عالمية في النهاية.

وعلى هذا يجري التحضير لقمة “الناتو” في أنقرة باعتبارها المرحلة التالية في هذا التصعيد. وقد التزم الحلف بزيادة هائلة في الإنفاق العسكري، من ضمنها تخصيص 5% من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع والإنفاق العسكري بحلول عام 2035، بينما دعا الأمين العام للحلف مارك روته القوى الأوروبية أن تتحمل مسؤولية أكبر بكثير في شأن الحروب المدعومة بالقوة الأميركية.

لن تقتصر الحرب على أوكرانيا، بل ستهدد بابتلاع أوروبا بأكملها، وقد تتصاعد بسرعة نحو صراع نووي

وفي اجتماع وزراء دفاع الحلف في الشهر الماضي، كان التركيز على قدرات جاهزية القتال”، وعلى الإنتاج العسكري وتوريد الأسلحة لأوكرانيا، وإعادة هيكلة أوروبا لتصبح كتلة حرب. وتعتبر ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وبولندا ودول البلطيق ودول الشمال من بين أكثر القوى عدوانية التي تدفع الحرب إلى الإمام، بذريعة تراجع سطوة الهيمنة الأميركية، وعدم اليقين حيال سياسات ترامب، وإضعاف النظام عبر الأطلسي، وهي عوامل تفرض على هذه الدول تطوير قدراتها العسكرية الخاصة خدمة لمصالحها الإمبريالية.

تؤمن الحرب في أوكرانيا لألمانيا وبريطانيا وفرنسا وسيلة للعودة مجدداً كقوى عسكرية مستقلة على الساحة العالمية، وهي تستخدم هذه الحرب لتبرير أكبر عملية إعادة تسليح منذ الحرب العالمية الثانية، وإعادة هيكلة الصناعة لمصلحة الإنتاج العسكري، وإعادة العمل بالتجنيد الإجباري، وعسكرة المدارس والجامعات، وبناء جهاز بوليسي بطبيعة قمعية في الداخل. إن إعادة التسليح والحرب هما رد فعل طبقة حاكمة ترى في التصعيد العسكري وسيلة لقمع الصراع الاجتماعي وإعادة تقسيم العالم.

إن تصاعد الحرب يؤدي إلى حشد كبير للموارد البشرية من أجل المذبحة. فبينما تستعد روسيا لمزيد من التعبئة، تسعى أوكرانيا التي أنهكتها سنوات الحرب جاهدة لإعادة بناء صفوفها، في وقت يتجه الاتحاد الأوروبي بالتنسيق مع كييف، إلى استبعاد الرجال الأوكرانيين الوافدين حديثاً إلى أوروبا، وخصوصاً الذين بلغوا سن التجنيد، والذين لا يملكون تصريحاً بمغادرة أوكرانيا من الحماية المؤقتة في أوروبا. وسيُرحل الأوكرانيون الذين يلتمسون اللجوء في أوروبا هرباً من الحرب، ليكونوا وقوداً للجبهة.

لا تستطيع أوكرانيا هزيمة روسيا في ساحة المعركة، ولذلك تتبنى استراتيجية في تصعيد الحرب إلى أبعد حد، واستفزاز رد روسي كبير، يؤدي إلى توريط حلف “الناتو” في الصراع بشكل مباشر. وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد وافق على حملة ضربات “استباقية” ضد المنشآت الروسية المستخدمة في الحرب، من ضمنها البنية التحتية للطاقة، وأنظمة النقل، والمنشآت العسكرية والصناعية في شبه جزيرة القرم وداخل روسيا.

لا يقتصر الهدف السياسي لهذه الاستراتيجية على تحسين وضع أوكرانيا في ساحة المعركة، بل يتعداه إلى زعزعة استقرار نظام روسيا السياسي بذاته. وتعتمد القوى الأوروبية بشكل متزايد على افتراض قدرتهم على استخدام حملة الضربات العميقة الأوكرانية، والعقوبات، والهجمات على شبه جزيرة القرم، والضغط العسكري لإجبار موسكو على الاستسلام أو إثارة أزمة داخل الدولة الروسية.

لا تستطيع أوكرانيا هزيمة روسيا في ساحة المعركة، ولذلك تتبنى استراتيجية في تصعيد الحرب إلى أبعد حد، واستفزاز رد روسي كبير، يؤدي إلى توريط حلف “الناتو” في الصراع

في مقالة حديثة للمؤرخ والكاتب مارك غاليوتي في صحيفة “التايمز” اللندنية بعنوان “إذا كان بوتين يخشى خسارة شبه جزيرة القرم، فلا يُمكن التنبؤ بما سيفعله”، يلقي الضوء على هذه التوجهات، ويشير إلى أن بعض قطاعات النخبة الإدارية والتجارية الروسية تفضل تجميد الصراع، والاحتفاظ بما تم الاستيلاء عليه، والتفاوض على تخفيف العقوبات، ولكن غاليوتي ينبه أيضاً من فصيل روسي متشدد يطالب بالتصعيد، وتعبئة ونشر مئات الآلاف من جنود الاحتياط والمجندين، وشن عمليات سرية أكثر عدوانية ضد المصانع الأوروبية التي تورد الأسلحة لأوكرانيا.

كل هذا يؤكد أن دول “الناتو” لا تقدم ما يمكن من استقرار الأوضاع القابلة للسيطرة، بل تدفع بوتين إلى الزاوية، وتراهن على تراجعه أو زعزعة استقرار بلاده، في حين أن الكرملين إذا اعتقد أن خسارة شبه جزيرة القرم، أو حتى بالعجز عن الدفاع عنها، وهو ما يهدد بقاء النظام، فقد يرد بتصعيد حاد، فإن الضغط نفسه الذي تأمل بعض فئات الطبقة الحاكمة الأوروبية أن يكسر موسكو، قد يشعل حرباً أوسع.

لقد استندت معظم سياسات روسيا على مدى ربع القرن الماضي إلى مفهوم فشل في ضمان مكانة لـ”الأوليغارشية الروسية” ضمن النظام الرأسمالي العالمي من خلال التوافق مع “شركائها الغربيين”، لكن هذا المفهوم انهار تماماً، ولقد استغلت دول “الناتو” كل تنازل وتردد من جانب الكرملين للتصعيد أكثر.

الوضع المتفجر الآن قد يؤدي إلى أن أي هجوم روسي على مركز لوجستي تابع لحلف “الناتو” في أوكرانيا، أو مقتل أفراد من الحلف يعملون متخفين كمستشارين أو متعاقدين، أو اشتباك بحري في البلطيق أو البحر الأسود، أو مواجهة حول “الأسطول الخفي” الروسي، أو تخريب منشآت السكك الحديدية، والموانئ والطاقة أو الأسلحة الأوروبية، سيتسبب بتصعيد سريع للأزمة.

كذلك، تتحدث الطبقات الحاكمة باستخفاف عن حرب مستقبلية مع روسيا “في غضون سنوات” أو “بحلول نهاية العقد”. لكن، ما يقومون به من أفعال بحد ذاتها ستولد ت الآليات التي قد تؤدي إلى اندلاع مثل هذه الحرب في وقت أقرب بكثير.

كما أن الهجمات الجوية على دولة عظمى تشكل خطراً جسيماً من تصعيد نووي، بينما يتجه حلف شمال الأطلسي بشكل متزايد نحو الاستعداد لحرب نووية في أوروبا.

وفي هذا السياق، صوت البرلمان الفنلندي على إلغاء حظر البلاد للأسلحة النووية، وهو ما يزيل العقبات القانونية أمام نشر قنابل وصواريخ “الناتو” النووية في دولة تشترك في حدود طولها 1300 كيلومتر مع روسيا. ويأتي هذا في أعقاب اقتراح ماكرون بتوسيع نطاق الحماية النووية الفرنسية لتشمل أوروبا بأكملها، وتوسيع البنية التحتية العسكرية لحلف “الناتو” في جميع أنحاء مناطق القطب الشمالي والبلطيق ودول الشمال الأوروبي، في حين تضطلع ألمانيا بدور محوري في هذا الشأن.

الهجمات الجوية على دولة عظمى تشكل خطراً جسيماً من تصعيد نووي، بينما يتجه حلف شمال الأطلسي بشكل متزايد نحو الاستعداد لحرب نووية في أوروبا

في 22 حزيران/ يونيو الماضي خلال ذكرى 85 سنة على الغزو النازي للاتحاد السوفياتي، زار وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس ليتوانيا للمشاركة في أول مناورة عسكرية كبرى للواء المدرع 45 التابع للجيش الألماني المتمركز هناك. وبحلول العام المقبل، من المقرر أن يتمركز نحو 5000 جندي ألماني على نحو دائم قرب حدود روسيا وبيلاروسيا.

ولا يمكن أن يكون التوقيت رمزياً أكثر استفزازاً على خلفية أن ألمانيا النازية شنت في 22 حزيران/ يونيو 1941 عملية بارباروسا، وهي أكبر حرب إبادة في التاريخ التي راح ضحيتها ما لا يقل عن 27 مليون مواطن سوفياتي. واليوم، بعد 85 عاماً، تعود الدبابات والقوات الألمانية للزحف نحو حدود روسيا، حيث تحيي الإمبريالية الألمانية استراتيجيتها القديمة في “الزحف شرقا” تحت راية حلف شمال الأطلسي والديمقراطية والأمن الأوروبي.

وكما في الحربين العالميتين الأولى والثانية، تجعل برلين من أوكرانيا محوراً لاستراتيجيتها في الهيمنة على أوروبا الشرقية وأوراسيا. على هذا ستدفع الشعوب وشرائح العمال في العالم ثمن هذه السياسة مرتين، في الأولى من خلال تخفيضات اجتماعية، وتجميد الأجور، وساعات عمل أطول، وفقدان الوظائف. وفي الثانية، إذا سارت الأمور كما تشتهي الطبقة الحاكمة، فستدفع الشعوب الثمن بدمائها أيضاً.

لقد كشفت الحرب إفلاس منظمات اليسار الزائف وما تبقى من الوسط الرسمي المناهض للحرب. بعض هذه القوى تدعم علناً حرب “الناتو” ضد روسيا، بينما يعارضها البعض الآخر رسمياً، لكنهم يرفضون حشد الطبقة العاملة بشكل مستقل ضد الحكومات والأحزاب وبيروقراطيات النقابات العمالية التي تشنها.

وبدلاً من ذلك، يتكيفون مع الأحزاب المؤيدة للحرب، ويروجون لأوهام الضغط الدبلوماسي والبرلماني، ويخضعون معارضة الحرب للمصالح الوطنية لبرجوازيتهم. لذلك، فإن شعاراتهم “المناهضة للحرب” ليست سوى خدعة، فهي لا تهدف إلى وقف الحرب، بل إلى عرقلة نمو حركة يسارية حقيقية مناهضة للحرب في صفوف الطبقة العاملة.

كذلك، يدافع اليسار الرسمي عن الرأسمالية، والدولة القومية، والمصالح الإمبريالية لطبقته البرجوازية. وفي ألمانيا، يعمل حزب اليسار كمدافع سياسي عن حكومة ميرز والإمبريالية الألمانية. وحيثما يشارك في حكومات الولايات، يوافق على الدعم العسكري لأوكرانيا، ما يتيح الحصول على قروض الحرب، وتفعيل إجراءات إعادة التسلح.

أما حزب الخضر الألماني، فهو من أشد الداعين إلى سياسة حلف “الناتو” التصعيدية، بينما تدعم النقابات العمالية اقتصاد الحرب، وتستنزف العمال بذريعة مصلحة “الأمن القومي” و”التنافسية”.

إن التصعيد ضد روسيا هو جبهة من جبهات إعادة تقسيم العالم الإمبريالية؛ فالطبقات الحاكمة التي تضرم نيران الحرب في أوكرانيا هي ذاتها من تسلح وتدعم سياسياً الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، وتشن حرباً عدوانية ضد إيران، وتعزز قواتها العسكرية ضد الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إذ إن حرباً عالمية ثالثة لا تحضر للمستقبل فحسب، بل تتكشف بالفعل عبر جبهات مترابطة في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط والمحيط الهادئ، ما يوجب فهم خطر نشوب حرب مباشرة بين “الناتو” وروسيا كجزء من تصاعد عالمي للعنف الإمبريالي المتجذر في أزمة الرأسمالية.

التصعيد ضد روسيا هو جبهة من جبهات إعادة تقسيم العالم الإمبريالية؛ فالطبقات الحاكمة التي تضرم نيران الحرب في أوكرانيا هي ذاتها من تسلح وتدعم سياسياً الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة

العمال في ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وبولندا وإيطاليا والولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا لا يرغبون في قتل بعضهم بعضاً من أجل أرباح وطموحات الطبقات الحاكمة، وعدوهم المشترك هو الرأسمالية، التي تدفع البشرية نحو الحرب والاستبدادية والكوارث الاجتماعية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى