
حسين زلغوط, خاص ـ “رأي سياسي”:
تتجه حركة أمل وحزب الله إلى حسم خيارهما بعدم النزول إلى الشارع احتجاجًا على اتفاق الإطار العام الموقَّع بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، وهو ما يُعتبر محطةً سياسيةً لافتةً تعكس انتقال المواجهة من الشارع إلى المؤسسات والسياسة. فالقرار لا يعني قبولًا بالاتفاق أو تسليمًا بمفاعيله، بل يعكس مقاربةً مختلفةً تقوم على احتواء أي توتر داخلي، مقابل خوض معركة إسقاط الاتفاق بالوسائل الدستورية والسياسية، انطلاقًا من قناعة راسخة لدى الطرفين بأن أي اتفاق لا يحظى بإجماع وطني، ولا يراعي ثوابت السيادة اللبنانية، لن يكون قابلًا للحياة على المدى الطويل.
ويستند هذا الموقف إلى قراءة تعتبر أن اللحظة الإقليمية والدولية التي أفضت إلى توقيع الاتفاق ليست ثابتة، وأن موازين القوى في المنطقة لا تزال عرضةً للتبدل، ما يجعل الرهان على تثبيت أي تفاهم من هذا النوع أمرًا بالغ الصعوبة.
ومن هنا جاء التشديد على أن الاتفاق سيلقى المصير نفسه الذي انتهى إليه اتفاق السابع عشر من أيار عام 1983، والذي سقط تحت وطأة الانقسام الداخلي والتوازنات السياسية والشعبية التي رفضته.
إلا أن المقارنة بين الاتفاقين تحمل أبعادًا سياسيةً تتجاوز البعد التاريخي. فاستحضار تجربة السابع عشر من أيار ليس مجرد استعادة لحدث مضى، بل رسالة سياسية تؤكد أن أي اتفاق يُنظر إليه باعتباره يمس الثوابت الوطنية أو يفرض وقائع جديدة خارج إطار التوافق الداخلي، يبقى معرضًا للسقوط مهما بلغت الضغوط الدولية الداعمة له.
وفي المقابل، فإن قرار عدم اللجوء إلى الشارع يحمل دلالاتٍ لا تقل أهمية. فهو يعكس إدراكًا بأن البلاد تعيش مرحلةً دقيقةً اقتصاديًا وأمنيًا، وأن أي تحرك شعبي واسع قد يفتح الباب أمام احتكاكات داخلية وفتنة لا يرغب أحد في تحمل نتائجها، خصوصًا في ظل الانقسامات السياسية الحادة والتوترات الإقليمية المحيطة بلبنان. لذلك يبدو أن الأولوية باتت تتمثل في تجنب أي فتنة داخلية، وإبقاء الخلاف ضمن الأطر السياسية والدستورية.
كما أن هذا الخيار يهدف إلى تفويت الفرصة على أي محاولة لتصوير الاعتراض على الاتفاق بأنه اعتراض على الدولة أو على مؤسساتها، إذ يحرص الثنائي على التأكيد أن معركته ليست مع الداخل اللبناني، بل مع مضمون الاتفاق نفسه، وما يعتبره تنازلات تمس السيادة والحقوق الوطنية.
وفي هذا السياق، تبدو المرحلة المقبلة مرشحةً لمواجهة سياسية مفتوحة داخل المؤسسات الدستورية، حيث ستبرز محاولات لتكوين جبهة سياسية عريضة تعارض الاتفاق، سواء عبر مجلس النواب أو من خلال المواقف الوطنية الرافضة له. كما سيُعاد فتح النقاش حول حدود صلاحيات السلطة التنفيذية في إبرام اتفاقات بهذا الحجم، ومدى الحاجة إلى توافق وطني واسع قبل السير في خطوات مصيرية تتصل بعلاقة لبنان مع إسرائيل.
في المقابل، يراهن مؤيدو الاتفاق على أنه يشكل مدخلًا لإرساء استقرار طويل الأمد، ويفتح الباب أمام معالجة ملفات أمنية وحدودية عالقة منذ عقود، معتبرين أن الظرف الإقليمي الحالي يوفر فرصةً قد لا تتكرر. إلا أن نجاح هذا الرهان يبقى مرتبطًا بقدرته على اكتساب شرعية داخلية، وهو أمر يبدو بعيد المنال في ظل استمرار الانقسام السياسي الحاد.
انطلاقًا مما تقدم، يبدو أن لبنان يدخل مرحلةً جديدةً من الاشتباك السياسي عنوانها اتفاق واشنطن، لكنها، وفق المعطيات الراهنة، ستكون مواجهةً تُدار بالكلمة والموقف والمؤسسات، لا بالحشود في الشوارع. وبين من يعتقد أن الاتفاق يشكل بداية مرحلة جديدة، ومن يجزم بأنه لن يصمد وسيواجه المصير الذي واجهه اتفاق السابع عشر من أيار، يبقى الحكم النهائي رهنًا بالتطورات السياسية الداخلية، وبقدرة كل فريق على فرض رؤيته ضمن معادلة لبنانية طالما أثبتت أن أي تسوية لا تستند إلى توافق وطني واسع تبقى عرضةً للاهتزاز، وربما السقوط.




